من قال إن ما يمكن التحكّم به هو الحاضر والمستقبل فقط، وإن لا احد يستطيع التحكم في الماضي؟. ها هي إسرائيل تتحكم بواقع الفلسطينيين بحقد عنصري اسود، مستعينة باسلحتها ودباباتها وصواريخها وطائراتها للحاضر، وتزيد على ذلك بانها، مستعينة بالمقاولين، الذين يستعينون من جانبهم، بالجرافات والمعدات الثقيلة، لطمس ولتدمير ماضيهم وتاريخهم ايضا.
نبدأ سرد حكاية موضوع هذا المقال، حرصا على الوضوح والتوثيق، من بدايته. ويجدر بي التنبيه الى انني مضطر للتوسع في المقدمة والاقتباسات، لنفس هذا السبب.
نشرت جريدة «هآرتس» الإسرائيلية في عددها ليوم الاثنين الماضي، 14/1/2019، تقريرا صحافيا لمراسلها اريئيل دافيد، بعنوان: «اكتشاف مستوطنة عمرها 1200 عام قرب موديعين، لكن لن يراها أحد». و«موديعين» هذه هي مدينة إسرائيلية جديدة، عمرها اقل من ثلاثين سنة، بني جزء منها في «المنطقة الحرام»، التي كانت تفصل مناطق الـ48 عن اراضي الضفة الغربية، بموجب اتفاقية الهدنة بين الأردن وإسرائيل سنة 1949، وكانت إسرائيل قد ألغت صفة «منطقة حرام» عنها، بعد حرب حزيران/يونيو 1967، وضمتها اليها.
تقول مقدمة التقرير في جريدة هآرتس: « في هذه المستوطنة القديمة، كما يقول الخبراء، حيث عاش المسلمون والمسيحيون، كانت هناك مبانٍ وورش رائعة. ولكن الآن سيتم تغطية بقاياها لصالح مشروع بناء جديد».
ينتقل التقرير من المقدمة الى التفاصيل، ليتبين أن علماء الآثار والمنقبين (وهم إسرائيليون)، اكتشفوا قرب مدينة موديعين «بقايا مستوطنة مزدهرة منذ الفترة الإسلامية الأولى قبل حوالي 1200 عام. وكشفوا عن منازل فخمة، مزيّنة بالفسيفساء والأقواس والقناطر، وآبار المياه المقصورة، ومعاصر الزيتون، ووُرَشِ تصنيع الزجاج منذ حوالي ألف عام».
لكن، وبما أن هذه الاكتشافات الاثرية تعود لعرب فلسطينيين، مسلمين ومسيحيين، فقد قررت السلطات الإسرائيلية طمسها، بل وتدميرها، بالضبط كما فعل غلاة المتخلفين المتعصبين من «القاعدة» من تحطيم لتمثال بوذا في افغانستان، وكما فعل غلاة المتخلفين والمتعصبين من «داعش» من تحطيم وتدمير لآثار مدينة تدمر في سوريا. ونقرأ في تقرير «هآرتس» المذكور: «.. لكن عيون معظم الناس لن تلمح ما تم اكتشافه من آثار، حيث تم نقل المسؤولية عن المنطقة بالفعل إلى مقاولين، وستتم تغطية تلك الآثار قريباً وحتى تدميرها، لصالح بناء مركز لوجستي جديد لموديعين القريبة».
قرار سلطة الآثار الإسرائيلية بالسماح بـ«التطوير» (!) في الموقع، أثار الدهشة بين علماء الآثار والسكان في المنطقة الذين يقولون أن السلطات الإسرائيلية، تسارع إلى الموافقة على «خطط التنمية» (!)، حتى عندما يتم اكتشاف بقايا قديمة مهمة. وقالت سلطة الآثار الإسرائيلية ردا على ذلك، «إن هناك حاجة إلى تحقيق توازن بين حماية الآثار من جهة، والمصالح الاقتصادية من جهة ثانية». ووفقاً لتلك السلطة، فانه «تم توثيق الحفريات التي اجريت في الموقع، وبذلك تم حفظ المعلومات عن هذه المستوطنة القديمة»، (!).
هذه المستوطنة العربية الفلسطينية الإسلامية المسيحية، تقع الى الشمال الغربي من المستوطنة/المستعمرة «موديعين»، وهي على الطريق العتيق الواصل بين يافا والقدس. وحسب تقرير اريئيل دافيد، فان المنطقة معروفة باسم «النبي زكريا»، وتم العثور على آثارها مطلع السنة الماضية، 2018، من خلال حفريات أثرية، اشرف عليها عالم الآثار الإسرائيلي، افرهام تندلر.
مسكين عالم الآثار الإسرائيلي تندلر. اسمعوا ما يقول: «في أعمال التنقيب والإنقاذ لا نعرف أبداً ما الذي يمكن العثور عليه. كنت أتوقع العثور على آثار هيلينستية ورومانية وبيزنطية، لذا فاجأتنا هذه المستوطنة (العربية الفلسطينية) التي تم اكتشافها».
كانت الاكتشافات الاثرية السابقة في المنطقة عبارة عن دير بيزنطي، وكهوف استخدمها الرهبان الانفراديون، ومقبرة من العصر الروماني.
اما في هذه الحالة التي نحن بصددها، فقد كشف علماء الآثار (وهم إسرائيليون) العشرات من المباني في مستوطنة عربية اسلامية مسيحية، جيدة التخطيط يعود تاريخها إلى القرنين التاسع والحادي عشر الميلاديين، عندما حكم الخلفاء العباسيون والفاطميون المنطقة.
هذه النتيجة اثارت الدهشة لدى الإسرائيليين، لأنهم اعتقدوا أن المنطقة المحيطة بمدينة موديعين كانت قليلة السكان في أوائل فترة الفتح الإسلام، كما يقول تندلر. ثم يعترف عالم الآثار الإسرائيلي هذا: غطت الحفريات أربعة دونمات وكشفت فقط عن جزء من مستوطنة كبيرة».
يضيف تندلر: «أكثر التفاصيل إثارة للاهتمام هو أن مجتمعًا مختلطًا من المسلمين والمسيحيين عاش على ما يبدو هناك». ومن بين ما تم العثور عليه في هذه الحفريات صلبان حجرية، وصلبان في النسيج وأجزاء من النقوش باللغة اليونانية المستخدمة من قبل المسيحيين في المنطقة. وقال تيندلر إنه في أحد المنازل عثر على تذكار مسيحي من رحلة حج مسيحي من المحتمل أن تكون قد جلبت من مصر.
كما كشف المنقبون في «النبي زكريا» عن أوزان/معايير زجاجية «تحمل نقوشاً عربية»، كما يقول تندلر. استخدمت الأوزان لوزن العملات المعدنية بدقة كبيرة، و«..يبدو أن بعض النقوش تشير إلى آية من القرآن». ولم يكلف عالم الآثار تندلر نفسه، (او ربما انه مُنع)، من تكليف أي فلسطيني عربي بقراءة الآية القرآنية على قطعة الزجاج الأثرية تلك. لكن تندلر يضيف: «لا توجد علامات على وجود كنيسة أو مسجد، ولكن هناك أدلة كافية على الهوية الدينية المختلطة للمستوطنة».
في التقرير الصحافي ايضا: «هناك جدل طويل بين الباحثين حول مدى العنف والدمار الذي أحدثه الفتح الإسلامي المبكر للبلاد، وكيف كانت العلاقات الإشكالية بين مختلف المجتمعات. تشير النتائج في «النبي زكريا» إلى انتقال هادئ للسلطة بعد أن غزت الجيوش الإسلامية المنطقة التي كانت جزءاً من الإمبراطورية البيزنطية في النصف الأول من القرن السابع، كما يقول عالم الآثار عوزي داهاري، النائب السابق لمدير هيئة الآثار الإسرائيلية». يقول داهاري، الذي لم يشارك في أعمال التنقيب في نبي زكريا: «عندما جاء المسلمون، تغيَّرت السلطة، لكن الاوضاع لم تتغيَّر كثيراً، باستثناء عملية الأسلمة البطيئة لجانب من السكان المسيحيين واليهود». كانت هذه المستوطنة الفلسطينية العربية مستقرة ومزدهرة جدا، بدليل فخامة مبانيها والعدد الكبير من ادوات الزينة في بيوتها، ومن العدد الكبير للمستودعات فيها، ومن وُرَش العمل لإنتاج الزيوت والنبيذ، وتصنيع الزجاج والسلع الأخرى». الامر الذي يشير الى أن «النبي زكريا» كانت بمثابة مركز زراعي وصناعي مهم للقدس والرملة، التي كانت عاصمة المنطقة خلال فترة الخلافة.
اما الناشطة الإسرائيلية في مجال المحافظة على البيئة والآثار، ماريون ستون، فتقول: «بعد اليونانيين والرومان، استمر الناس في العيش هنا، حتى لو لم يثيروا الكثير من الاهتمام، لقد تم العثور على الكثير من الأدلّة وتم تدمير الكثير من الآثار. وبما أنه تم العثور على العديد من المواقع الأثرية في المنطقة، فإنه لا ينبغي السماح بـ«التطوير» (!) العقاري». ودعت ستون السلطات الإسرائيلية إلى وقف هدم آثار المستوطنة العربية الفلسطينية الاسلامية المسيحية، وإعداد الموقع للزوار. وقالت: «تدمير شيء كهذا هو جريمة».
ماذا بقي لي لأقول؟.
هل نأمل بتحرك فلسطيني متناغم، تشارك فيه سلطة الآثار الفلسطينية، ووزارة الخارجية الفلسطينية، ومندوب فلسطين لدى اليونيسكو، وممثل فلسطين في الأمم المتحدة، وكل من له علاقة في الإعلام والعمل الدبلوماسي الفلسطيني، لفضح هذه الجريمة الإسرائيلية، والطلب بالحاح لإشراف فلسطيني عربي دولي على هذه الحفريات الأثرية؟.
هل لنا ان نتأمل بدعوة الناشطة الإسرائيلية ماريون ستون، للقاء مع كليات في جامعات فلسطينية لها علاقة بالآثار والتاريخ، ولإيفادها الى معاهد عالمية تهتم بمثل هذا الموضوع الوطني الفلسطيني؟.