باسم أبو سمية

لا شيء غير الإعتراف بأن التصميم والعمل الجماعي هما من قواعد النجاح، ولا يوجد سبب آخر يدعوني بعد عقود من الزمن إلى مقارنة زملائي القدامى في صوت فلسطين بالصحافي التلفزيوني "كريس كومو" في محطة KCNN والذي قادتني الصدفة مؤخرا  لمتابعة حواره التلفزيوني مع مرشح الرئاسة الأميركية جوزيف بايدن النائب السابق للرئيس السابق باراك اوباما  .

اقرأ ايضا: رحيل العادل المستبد

أثناء المتابعة ، وبدون مبرر قفزت إلى خاطري صور المعاناة الشديدة التي عشناها في أريحا قبل خمس وعشرين سنة، ورغم القطيعة بيننا لسنين طويلة فلا زلت أحتفظ بالمشاعر الحميمة تجاه العديد من المذيعين الذين تألقوا في صوت فلسطين كما تألق كومو في صباه في ABC ولَم يزل  .

  هؤلاء عملوا في ظروف قاسية وأهوال لا شبيه لها سوى ظروف الهجرة القصرية والحروب، وضعنا مكاتبنا في الحمامات والممرات، وتناولنا وجباتنا على الحصيرة، وكانت أستوديوهات البث الاذاعي بلا مكيفات في الحر الخانق  في إذاعةً وتلفزيون فلسطين وكثيرا ما اقترب المذيعون من الإختناق  لإنعدام الأكسجين  ومن هؤلاء أيقونة العمل الاذاعي والمهني  دانيالا خلف، وشيرين أبوعاقلة والمرحوم يوسف القزاز  وغيرهم   .

 قبل أن تبادروا بالسؤال: ما الذي دفعني للإدعاء بأنهم تألقوا، وهل هذا من باب المجاملة أو النفاق ، أو لعله التمحك لعلهم يتذكرون بأني ما زلت على قيد الحياة  .؟!

وربما تسألون بخبث  كيف أتذكر زملاء خانوا العشرة  والعيش والملح، أقول لكم: كلا فهذا لم يخطر ببالي أبداً ،  فأنا أدرك بأن الحياة الدنيا طحنتهم وهذا ما منعهم  عن تذكري في عيد مولد الإذاعة الذي حرصنا على إحيائه كل عام  في موعده باحتفال صاخب يصدح فيه مطربون فلسطينيون وفرق فنية من دول عربية والفرح يقطر من المقل والعرق ينز من الجباه .

كان الإحتفال بيوم الإذاعة أشبه بيوم وطني بل هو كذلك حقا، وقرب ما يكون إلى حفل  زفاف إبن أو ابنة أوعزيز 

أقول أشغلتهم الحياة الدنيا لتجنب إحراجهم، ثم إنه أمرا طبيعيا أن أجد أحدهم لم يذكرني مرة واحدة منذ مغادرتي المنصب، ربما قد أصبحت بالنسبة لهم قطعة أثاث بالية لا جدوى من ذكرها او التعامل معها  .

لعل البعض تعمد  تجاهلي  ولم يجرؤ على الاتصال بي ، في أي واحد من " التموزات " التي تعاقبت ، حتى لا يجلب  لنفسه الأذى، لأني أعلم تماما أن هناك من يخاف  ذكر محاسن أسلافه حتى لا يعرف الناس سيئاته !

 ولتطمئن القلوب فأنا لا تنازعني الرغبة لمعرفة اسباب القطيعة، لأن البعض يعتقد بأن التاريخ يبدأ فقط عندما يضع  قدمه على عتبات مكتبه ..

لا أقبل  التهكم والتهجم على زملائي  لأن كثيرين منهم في منزلةً ابنائي وبناتي ، ولكن  كيف أجرؤا على القول بأنهم  تجمعهم بكريس كومو الشهير الثقافة السياسية وسعةً الاطلاع  وعبقرية السؤال وفوق كل ذلك  سرعة  البديهة.

كيف يحق لي الإدعاء بأن زميلي المذيع  فلان  شبيه بكومو المولود في مدينةً نيويورك قبل  ٤٨ سنة  وهو إبن الحاكم السابق لولاية نيويورك وشقيقً الحاكم الحالي للولاية، وبعضهم لم يحصل على الشهادة الثانوية أو لم يكمل تحصيله العلمي؟!  لكنهم في  الحقيقة أبدعوا في مجال عملهم بل وتفوقوا، وعليهم الإعتراف بان العمل في الاذاعة صقل بنيتهم  وطور مهاراتهم وثقافتهم وساعد في بناء موهبتهم .

لكن  الفتي كومو  الذي درس  حين اصبح شابا  في جامعة ييل  وهي من اهم الجامعات الاميركية   حصل في اول سني عمله التلفزيوني  على اول جائزة تكريمية منحته إياها مؤسسة أيمي أوورد وهي جائزة اميركية تمنح للمسلسلات والبرامج التلفزيونية وتعادل جائزة الأوسكار وتقدم للمبدعين، وحصل عليها حين كان في الثانية عشرة من العمر ليشتهر كأصغر مذيع اخباري عن عمله في برنامج good morning America  في  ABC .

ألا يستحق زملائي الاطراء ؟ وما الذي يمنعني من مقارنة الذين تألقوا منهم في برنامج صوت فلسطين " صباح الخير يا فلسطين " بذلك الصحافي الأميركي التلفزيوني المثقف سياسيا وهم كذلك، ولا يساورني اَي شك بانهم يتمتعون  بالصفات التي يتحلى بها كريس .

كيف اخفي إحساسي بذلك وانا مؤمن بالقاعدة التي تقول ان الصحافي الناجح  ينتزع  الخبر من فم الذئب  المفترس ، مثلما كانت تقول لنا دائما الكاتبة والإعلامية الفلسطينية الشهيرة ريموندا حوا الطويل، هذا كان شعارها ومبدأ عملنا في المكتب الفلسطيني الذي أسسته في منتصف السبيعنيات بالقدس، والصحفي المتألق متهم  حتى تثبت براءته من هذه التهمة .

بل أن من حق زملائي علي أن أوفيهم  حقهم بعد ١٢ سنة من مغادرتي موقعي ولو من باب الاعتراف بالعلاقة الانسانية والمهنية التي جمعتنا لنحو عشرين عاما ، ولا أنسى طبعا أولئك الذين أظهروا لي مشاعر الكراهية علانية، لأني عبرت بصراحة عن رأيي المهني فيهم وأوقفت بعضهم عن تقديم البرامج لكثرة ما ارتكبوا من أخطاء نحوية واستغلال البعض موقعه لأهدافه الشخصية .. 

وكلما تذكرت أن هؤلاء كسروا خلفي مائة جرة وأنا أغادر أم الشرايط  إلى غير رجعة تنتابي موجة ضحك تكاد لا تنتهي..

كنت دائما أقول لهم مازحا: أنا على يقين أن أحدكم لن يبادرني بالتحية  اذا ما إلتقينا في الطريق فور مغادرتي منصبي.. وهذا ما حصل فعلا بإستثناء القليلين .

علينا كآباء الاعتراف بقدرات الابناء ولو متأخرا، وذلك خير من ألا يأتي أبداً، قبل الإنزلاق في زحمة الحياة  والاضطرار الى إخفاء الحقيقة وعدم البوح بها ..

لا تسخروا من قولي، فالكثيرين منا لا يفضلون قول الحقيقة او الاستماع لها، ودعوني بالله عليكم ان أزعم  بأن زملائي في اذاعةً صوت فلسطين أكثر عبقرية من كومو وأندرسون وكثيرين .. مهلا .. لا تندهشوا وأنتم تقرأون أقوالي .

 ربما أن ما أقوله قد لا يقدم ولا يؤخر الآن ولكنه إعتراف بالنجاح والعنفوان الذي حققته الإذاعة في سنواتها العشر  الأولى بعد انطلاقها في قيظ الصيف القاسي  يوم الثاني من تموز  سنة ١٩٩٤ من مبنى قديم  متهالك  في أعماق مدينة القيظ.

* كاتب فلسطيني