"من مذكرات طبيب" د. شوقي حرب

في الثاني من حزيران من العام 1980، قام ارهابيون اسرائيليون بزراعة قنابل تحت مقاعد سيارات ثلاثة رؤساء بلديات فلسطينيين:

اقرأ ايضا: خلية التجسس" القسامية" والمعالجة السياسية!

· رئيس بلدية البيرة، ابراهيم الطويل: والذي نجى بأعجوبة دون إصابات.

· رئيس بلدية رام الله، كريم خلف: والذي أصيب بجراح حرجة.

· رئيس بلدية نابلس، بسام الشكعة: والذي أصيب بأكثر الجراح خطورة وتهديداً للحياة.

بعد عدة أيام وبعد أن أكملنا علاج المصابين في رام الله، تلقيت اتصالاً هاتفياً من مدير مستشفى رفيديا في نابلس، الدكتور عبد الرحمن الشنار، يبلغني بصوت مرتجف أن حالة بسام أخذة بالتدهور وأن الفحوص المخبرية أظهرت أن رئيس البلدية يعاني من الغرغرينا الغازية.

تنتج الغرغرينا الغازية عن تلوث الجرح بنوع من البكتيريا المنتجة للغاز، وهي حالة مرضية تؤدي في معظم الأحيان إلى الموت، حتى مع تلقي المريض أفضل أنواع العلاج في أفضل المراكز الصحية في العالم. في الولايات المتحدة الأمريكية هنالك أكثر من (1200) حالة يتم الإبلاغ عنها سنوياً. هذا النوع من البكتيريا يؤدي إلى الموت المتسارع للعضلات، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى إصابة المريض بالصدمة الانتانية (Septic Shock) ومن ثم الموت. في ظل الوضع الخطير للمريض، وبناءً على طلب الدكتور شنار، ركبت سيارتي وتوجهت سائقاً إلى مستشفى رفيديا في نابلس.

في الطريق أخذت أفكر بكيفية وضع خطة علاج لحالة بسام الحرجة. حال طبية تحمل احتمالية وفاة كبيرة هي ليست حالة يتمنى أي طبيب أن يقوم بعلاجها، لأننا كأطباء مهما فعلنا فإن النتائج تكون غير سارة وذلك على مستوى العالم وحتى في أفضل المراكز الطبية في العالم، وتحت الاحتلال وفي العام 1980 كانت المراكز الطبية في جميع المستشفيات -على أقل ما يقال-أدنى من المستوى المطلوب. لذلك فكرت في قرارة نفسي وأنا في الطريق إلى رفيديا أن هنالك احتمالين، إما أن نقوم بإرساله إلى عمان عبر الجسر حيث لديهم مراكز طبية أفضل بكثير أو أن نقوم بإرساله إلى مركز طبي إسرائيلي. بعد القيادة لما يقارب الساعة وصلت إلى مستشفى رفيديا حيث كان هنالك ألاف الأشخاص يتظاهرون ضد الاحتلال ودعماً لرئيس بلديتهم الحبيب. تمكنت بعد جهد من شق طريقي وسط الجماهير ووصلت إلى سرير رئيس البلدية حيث كان العديد من الأطباء يقومون بعمل رائع في محاولة لعلاجه وإنعاشه والحفاظ على حياته. قمت بفحص بسام، وكما كنت خائفا، كانت الغرغرينا الغازية قد انتشرت حتى منطقة الحوض على كلا الجانبين، مع ظهور علامات فقاعات الغرغرينا والانتفاخ وتغير لون الجلد للأحمر الداكن.

وثقت في مذكراتي الطبية العلامات الحيوية التالية: ضغط الدم الانقباضي (85)، ولم يكن هنالك ضغط انبساطي مسموع. النبض كان (110)، لكن أبو نضال كان واعياً. أعلمت عائلته وناقشت الحالة مع الأطباء الحاضرين بمن فيهم الدكتور نضال كمال والدكتور عبد الرحمن الشنار، واتفقنا جميعاً على ضرورة نقله لمركز طبي أكثر تطوراً، وأن الخيار الوحيد كان نقله إلى مستشفى اسرائيلي نظراً لضيق الوقت. ثم التفتنا نحو المريض وأعلمناه بطريقة صريحة للغاية عن وضعه الصحي وتوصياتنا بحاجته لعملية عاجلة يجب إجرائها في مركز طبي أكثر تطوراً خارج الأراضي المحتلة. أجابنا أبو نضال وعلى وجهه ابتسامته المعهودة " سأموت في نابلس وسأدفن في نابلس".

كان عامل الوقت مهما للغاية، وكنا بحاجة لاتخاذ قرارات سريعة لكي نتمكن من إنقاذ حياته. نقلناه بسرعة نحو غرفة العمليات وقام الدكتور جمال الخياط، طبيب التخدير البارع والمخضرم، بتخديره. باشرت بعد اتخاذ التحضيرات المناسبة بإجراء العملية، امتلأت غرفة العمليات بجميع الأطباء البارزين في مدينة نابلس، بمن فيهم الدكتور عبد الرحمن الشنار والدكتور فارس مسعود والدكتور نضال كمال وآخرين ممن غابت أسماؤهم عن ذاكرتي.

كان يجب أن تتم العملية بسرعة ودقة متناهية. كان على أن أقوم بفتح الجراح واستئصال الأنسجة المتضررة حتى الوصول إلى الأنسجة السليمة التي لم تتضرر من الغرغرينا، وبعد ذلك كان يجب إبقاء الجروح مفتوحة لتمكينها من الشفاء بطريقة تلقائية ثانوية. خلال العملية تمكنا من الحفاظ على جميع العلامات الحيوية، على الرغم من أنها كانت دون المستوى المطلوب. كنا قلقين خلال العملية، والتي أخذت ما يقارب الثلاث ساعات، من أن كليتيه وقلبه ودماغه قد تتوقف عن العمل.

كانت هتافات وصرخات المتظاهرين بالخارج قوية لدرجة أنها اخترقت جدران غرفة العمليات مما أضاف إلى توتر الموقف. في هذه اللحظة، بدأ صوت جهاز فحص نبض القلب بالتباطؤ، نظرت إلى الشاشة وشاهدت نوعاً خطيراً من تباطؤ نبضات القلب والذي يسبق عادة توقف القلب كلياً عن الضخ. في وسط هذا الموقف الحرج، تمكنت من النظر سريعاً إلى جانبي الأيمن طالباً تدخلاً إلهياً، عندها رأيت الدكتور شنار ينظر إلى الدكتور فارس مسعود، طبيب القلب البارز، الذي لوح بيديه في إشارة إلى أن "هذه هي النهاية".

لكن العناية الإلهية تدخلت، وتمكنا من معالجة الوضع الطبي الحرج وتجاوز مرحلة الخطر وإنهاء العملية. أفاق بسام من التخدير بصحة جيدة وبابتسامته المعهودة على وجهه والتي منحتنا جميعاً الشجاعة والأمل.

استمر بسام الشكعة بعد إصابته وجراحه في أن يكون المنارة فلسطينية نحو الوحدة والتحرير. إن رفض بسام الشكعة أن يتم نقله إلى مركز طبي اسرائيلي انما هو رمز لصمود ومقاومة الشعب الفلسطيني... الشعب الذي يرفض أن يموت.

المصدر: "وكالة وطن"