منى جويد الغصين

لا يوجد خطأ جوهري في العالم العربي حين تضطر امرأة للهرب إلى دولة أخرى لكي تحصل على فرصة عادلة لتوصيل صوتها .

اقرأ ايضا: الأرض الفلسطينية هي جوهر الصراع مع الاحتلال

أتعاطف للغاية مع الأميرة الأردنية "هيا"، التي اضطرت إلى الهرب من وطنها ومن زوجها بدبي لطلب اللجوء،  وتقدمت بإلتماس إلى المحاكم العليا البريطانية للحصول علي حق الحضانة  "رعاية طفليها".

وفقا للبيان الصادر عن رئيس وحدة الإسرة بالقضاء البريطاني" السير اندرو ماكفارلين" ، في حديثه عن القوانين التقليدية القديمة التي تضع المرأة في وضع غير متكافئ وليس لديها مكان في عالم اليوم .

يكمن تعاطفي وغضبي أيضا في حقيقة أن أي إمرأة في العالم العربي غير راضية عن زواجها ، لديها فرصة ضئيلة جداً للحصول على جلسة إستماع محايدة سواء في "المحاكم أو في عموم الساحة . وتزداد الأمور سوءاً إذا كان الزوج قوي أو غني كما في هذه الحالة ،"حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد المكتوم , إضافة الي ذلك تأتي المصالح السياسية والدبلوماسية لتفجر الوضع ضد الأميرة هيا .

الطلاق دائما مؤلم وعندما يكون في الساحة العامة ، يصبح الأمر أسوأ . الأمور الشخصية تصبح سياسية وتتحول الخفايا والأسرار العاطفية والأسرية إلى عناوين في الصحف وتصبح مادة إخبارية وإعلامية يصعب معها الوصول إلى نسخة من الحقيقة لحماية الذات والسمعة . وكثير من الأمور هنا على المحك.الجزء السياسي والدبلوماسي والجزء الشخصي ، و كذلك الأثار المترتبة عليهم والتي تكون أعمق من الاثارة التي أوجدتها وسائل الاعلام .

الفضيحة الحقيقية والقضية الأساسية هنا، هي الإفتقار إلى تمكين المرأة وإعطاءها حقوقها المتساوية مع الرجل. الأميرة هيا إمرأة قامت بإنجازات عدة وتحظي بإحترام كبير ، ولكنها حصلت على حقوق وحماية ضئيلة للغاية عندما كانت في دبي، بينما لا تتعلق هذه الجلسة في المحاكم البريطانية بالطلاق أو التسوية المالية ، فهي تتعلق بأطفالها .

من أجل الوضوح، فإن حجتي لا تتعلق بما حدث في  إنهيار الزواج أو من المخطئ. هذه علاقة خاصة بين شخصين ويجب أن تظل هكذا. لكن ما يثير القلق هو القوانين العقيمة في العالم العربي والإمارات والتي تميل إلى حد كبير لصالح الرجل. الفضيحة الساحقة هنا هي عدم وجود مساواة قانونية للنساء، وللأسف فإن معظم النساء اللاتي يسعين إلى إنهاء زواجهن ليس لديهن وسائل أو روابط مالية للهروب والسعي إلى ولاية قضائية أكثر إنصافًا فيظلن تحت رحمة نظام قديم  عقيم تدعمه الدولة.

المرأة هي من تعاقب ماليا وتتأثر سمعتها. فالمهم هو شرف الرجل وحقوقه. ما يوضحه هذا الفصل الرفيع المستوى بوضوح كبير هو أن النساء لا تزال في المرتبة الثانية بالنسبة للرجال. لن يغطي أي قدر من العلاقات العامة الإعلامية الماهرة حقيقة أن النساء في الخليج ليس لديهن سلطة جوهرية لأنهن لا يتمتعن بالمساواة .

لقد شاهدنا بالفعل في وسائل الاعلام العربية والعالمية قصصا عن الخيانة المزعومة مع قيام الشيخ محمد بنشر قصيدة "عشتي ومتي "والمقصود بها خيانة الأميرة لزوجها. بالنسبة لحاكم دبي، هذه معركة حول سمعته السياسية والشخصية. ويبدو أن  الهروب  نمطا في أسرته عندما حاولت ابنتيه الهرب من قبل، "الشيخة لطيفة والشيخة شمسة.", تم إحضار الشيخة لطيفة بالقوة بعد محاولتها الهرب ومعالجة القضية بطريقة بائسة عندما تم إحضار رئيسة ايرلندا السابقة ومفوضة الأمم المتحدة لحقوق الانسان "ماري روبنسون" إلى دبي لتأكد أن الشيخة "شابة مضطربة" وأنها لم تكن محتجزة ضد إرادتها. أما الشيخة شمسة ، فقد تم إختطافها من كامبريدج حيث كانت مختبئة .

كل ما سبق يجعلك تتوقف لتفكر لماذا تهرب هؤلاء النساء المميزات اللاتي يملكن كل شيء في  بيوتهن وأوطانهن؟ لماذا لا يتمتعن بحرية الإختيار؟ لماذا يحبسن؟ لماذا لا يحميهن القانون في وطنهن الأم وينصفهن؟ بالنسبة لي، لقد تعدى الأمر الفرد الذكر بشخصه. لا يتعلق الأمر بما فعله والدهن أو لم يفعله. السؤال الآن هو لماذا نتحمل هذا النظام القائم على سيطرة الذكور الذي يتم إخضاع هؤلاء النساء تماما !!وهو نظام بغيض لأنه ينبع من بلد روج لنفسه كدولة حديثة تدمج بين "الأفضل" في الثقافة التقليدية الاسلامية مع نظرة عصرية.

ومع ذلك، فان هذا خداع مموه بعناية من قبل إدارة علاقات عامة متطورة للغاية. وراء هذا التألق واللمعان في دبي يكمن عالم مظلم قائم في الواقع على الإستبداد الذكوري. لا تتمتع المرأة بمكانة أساسية على الرغم من واجهة  ترقية النساء إلى المناصب العامة، أو وجود نساء يعملن في مهن ذكورية تقليدية لأن المرأة في الواقع تخضع لزوجها أو لأبيها على الرغم من إنجازاتها. لقد وصلن الي هذه المكانة لأن الوصي القانوني أعطى "الإذن" . مثلها مثل معظم دول العالم العربي، لا تزال دبي راسخة في نظام يهيمن عليه الذكور من حيث القانون والنظام العام. القوة المطلقة  فيه منوطة  بالرجل

 

وهنا تكمن المعضلة في العالم العربي ودبي متأثرة بها. الدول العربية غير معترفة بالتغيير الذي طرأ على دور المرأة، تلعب النساء بشكل متزايد دورا إقتصاديا حيويا بالمجتمع إضافة إلى كونهن العمود الفقري للمجتمع إذ أنها ربة المنزل الرئيسية.

لا تزال هناك مفاهيم سائدة في القانون بل وفي المجتمع أيضا تجاه المرأة لا تخدم العالم العربي بشكل جيد على رأسها المعايير المزدوجة والنفاق .

ببساطة لا يمكننا الإستمرار في إستخدام ذريعة التقاليد أو الشريعة لتقويض حقوق المرأة في المساواة. إنها إهانة بالنسبة للمرأة أن يعتبر الرجل  وصيا على "سلوكها الأخلاقي" أو "حيائها" أو "مصالحها، تقع دبي في هذه الدوامة ولا تعرف ماذا تريد أن تكون أو أين يجب أن تقف ! إنه الفصام , الذي  يشجع على تعليم المرأة ولكنه يمنعها من التمكين، يشجعها على الإبتكار والتفكير المستقبلي في العديد من المجالات ولكن ليس فيما يخص حقها في المساواة مع الرجل فيما يتعلق  بحرية قرارها وحقها في إدارة  شؤونها  الخاصة .

دبي مركز دولي للسياح الذين يتدفقون إلى شواطئها ونواديها ومطاعمها وأسواقها، لكنهم يمنعون بشدة  شرب الخمر علنيا أو أي تعبير علني عن مشاعر المودة  بشكل سطحي، إنه مثال واضح للطريقة التي تمكنت بها دولة صحراوية شابة من أن تصبح مدينة حديثة متطورة ومبهرة في غضون بضعة سنوات. ومع ذلك، أي خدش بسيط يظهر كم كبير من التناقضات !  والنساء هناك لا أهمية لهن، بمثابة مقتنيات خاصه . على سبيل المثال , قد يتم حبس المرأة التي تبلغ عن إغتصابها لأنها تقيم علاقات جنسية خارج اطار الزواج. اين المنطقية في ذلك؟

دبي تريد أن تستفيد بكلا الطريقتين، تريد من العالم أن ينظر إليها كدولة حديثة ومتمدنة، لكن عندما يتعلق الأمر بالنساء لا تزال عالقة في تفكير قديم وعقيم ، سواء بالقوانين المنظمة أو الممارسات التي تحكم أهل البلد، مثلها مثل سائر الدول العربية .

دبي جزء من دولة حيوية تطلعاتها لا نهاية لها. لقد إحتضنت الأفكار المبتكرة وهي دائماً في تقدم وتطور مستمر، ولكنها فشلت بشكل كبير في منح الحقوق المتساوية الصادقة للمرأة وفي إعطاء الحقوق المدنية بشكل عام. ما يصنع الأمة ليس الأبراج الشاهقة أو التقنيات المتطورة، ولكن يصنعها المجتمع المدني، وإذا تم تقييد جزئاً من المجتمع إما بسبب الجنس أو الدين، فسيكون الفشل مصيره المحتوم .

الأميرة هيا ليست أول من هرب من هذا المجتمع الذي أعطاها ظاهرياً الثروة والمكانة المرموقة ، وهنا يطرح السؤال لماذا لم تشعر بالحماية و الأمان ؟ لماذا إضطرت إلى الفرار إلى ملاذ آمن حيث تكون حقوقها محمية؟ إنها لائحة اتهام بائسة، ليس فقط على دبي، بل في معظم أنحاء العالم العربي حيث لا تزال النساء الطبقة الدنيا، بغض النظر عن إنجازاتهن .

الأميرة الأردنية، إبنة عاهل الأردن الملك الراحل حسين ، شخصية مرموقة ولها انجازاتها ، تخرجت في جامعة أكسفورد، وهي فارسة ذات شهرة عالمية وقد مثلت الأردن في أولمبياد صيف 2000 في سيدني. هي أول إمرأة عربية يتم ترشيحها كسفيرة للنوايا الحسنة لبرنامج الغذاء التابع للأمم المتحدة ومن ثم رسول سلام في عام 2007. هي ترمز إلى المرأة العربية في أفضل حالاتها، و يبدو وكأنها تكيفت مع القيم الخليجية التقليدية في العالم الحديث. أدى زواجها من حاكم دبي إلى تعزيز سمعته وخاصة على صعيد الإهتمام  بدور المرأة وتبنيه لقضاياها  !

 لفتره وجيزة  إعتقدت حقًا أن هذا الإتحاد يمكن أن يكون بداية لتمكين المرأة العربية، وأن زيارات الأميرة هيا الرفيعة المستوى محليًا ودوليًا مع زوجها "حاكم دبي"، كانت تحولًا في المواقف لجعلها مقبولة، وأن ذلك هو المعيار الذي يجب أن تكون عليه شركاء متساوين، لكن للأسف، إتضح أنها تشبه دبي إلى حد كبير، لمعان دون جوهر .

* كـاتبة فلسطــينية

[email protected]