دار الحياة: غزة
تَمَكَّنَ العديد من الطلبة الفلسطينيين من اجتياز معوقات وصعوبات جمة في طريق دراستهم وتعليمهم من خلال مؤسسة فريدة من نوعها في العالم تعنى بالتعليم وترعى مصالح الطلبة من الألف إلى الياء عملاً بمقولة "لا تأخذ بيدي مرة واحدة ولكن خذ بيدي في كل مرة.."، إنها مؤسسة ليونارد التعليمية (الشهيرة بمؤسسة ليو LE.O.)، والتي اثبتت جدارتها في الارتقاء بالمسيرة التعليمية للطلبة الفلسطينيين بعد أن كرَّس القائمون عليه جل حياتهم لدعم ومساندة الطلبة العرب في مشوارهم التعليمي.
مؤسسة ليونارد التعليمية المعروفة تأسست قبل خمس سنوات بهدف دعم الاحتياجات التعليمية العليا للجيل الشاب في فلسطين، وسميت المؤسسة على اسم الأمريكي الدكتور غراهام ليونارد، الذي كرس حياته في تعليم الفلسطينيين، وتأسست مؤسسة ليونارد على يد ابنته ضياء، التي والدتها من أصول فلسطينية .
اقرأ ايضا: توقيع مذكرة تعاون بين مؤسسة مريم ومركز الحسين للسرطان
ضياء ليونارد ومعها فريق عمل متخصص نجحوا في تمكين الطلبة الفلسطينيين المتفوقين والطموحين ليتجاوزوا الفقر ونقص الموارد في مدارسهم وجامعاتهم، من خلال توفير إمكانيات كاملة، مصرين في الوقت ذاته على توفير الدعم للعائلات الفلسطينية لتخطي مشاكل وصعوبات التعليم الناجمة عن الفقر.
المؤسسة واعداد الجيل
ضياء ليونارد أوضحت أنَّ مؤسسة "ليونارد" تهدف للمساعدة إعداد الجيل القادم من العلماء وصانعي القرارات السياسية والمعلمين ورجال الأعمال الرياديين الفلسطينيين، مشيرة إلى أن رؤية المؤسسة والقائمين عليهم تتمثل في ايمانهم بأن التعليم الممزوج بالتبادل الثقافي هو الطريق الأساسي للسلام والاستقرار والتنمية، من خلال تثقيف وتعليم شبابنا فإننا نرفع من مستواهم المعيشي ونؤثر إيجابيا على مستقبل عائلاتهم الحالية والمستقبلية حتى تكون لديهم المقومات التي يحتاجونها ليتمكنوا من المساهمة بشكل فعال في مجتمعاتهم.
ولا تقتصر خدمات مؤسسة ليونارد على تمكين ودعم ومساعدة الطلبة الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، إذ تقدم خدماتها للطلبة في لبنان والأردن وغيرها.
وذكرت ليونارد أنَّ مؤسسة ليونارد التي مقرها في الولايات المتحدة تعمل في الغالب مع المؤسسات التعليمية الأمريكية، كونها تتسم بالسخاء وبتمويل المنح الدراسية خاصة لأنها ترغب في إضافة التنوع الثقافي إلى بيئة الحرم الجامعي، مشيرةً إلى أنها علاقة المؤسسة بالجامعات الشريكة تنضوي على تبادل المنافع، قائلة "نحن نوفر متقدمين مؤهلين ومجهزين جيدا، والجامعات تقدم تمويلا ممتازًا للمنح الدراسية لهؤلاء الطلبة المتفوقين والمحتاجين".
وبينت ضياء ليونارد ان تركيز المؤسسة ينصب في بداية الامر على العمل مع الطالب لإيجاد الجامعة المناسبة له، ثم المتابعة معه حتى مرحلة التوظيف، والتي تأتي في معظم الحالات بعد انتهاء الطالب من درجة الدكتوراه؛ مشيرة إلى أن المؤسسة تعمل على سد فجوات التمويل للطلبة الذين يدرسون في بلادهم أو في الوطن العربي من الأيتام أو الشابات.
وعزت ليونارد سبب فشل بعض الطلبة الدوليين المحرومين الذين يدرسون في الولايات المتحدة أو في بلدان بعيدة عن الوطن إلى صعوبة التكيف الثقافي، والحنين إلى الوطن، وعدم الخبرة في إدارة الأموال، والتردد في التواصل مع جامعاتهم في أوقات الأزمات للحصول على المساعدة، وعدم كفاية التمويل ليتمكنوا من مواصلة تعليمهم (وهذا السبب الأكثر شيوعا)، مشيرةً إلى أن كون بعض الطلبة فلسطينيين يعتبر أمر معقد وصعب؛ فحرية التنقل محكومة بأوراق الهوية التي يحملها طلابنا والأماكن التي يعيشون فيها ووضعهم القانوني كلاجئين، يزداد السفر الدولي تعقيدا بسبب قيود العبور.
وبينت ضياء ليونارد أنه من الصعب على بعض الطلبة إدارة أمورهم لوحدهم والنجاح في اجتياز تعقيدات الدراسة في الخارج دون مساعدة وتوجيه وإرشاد وتنمية المهارات الشخصية. خاصة لأن عائلاتهم غير مهيئة لدعمهم بالتمويل والعناصر اللازمة للنجاح.
ليست مجرد مؤسسة عادية
وأوضحت أن مؤسسة LE.O. تقدم مجموعة واسعة من الخدمات، ليس فقط لطلابنا، بل أيضا لأي طالب وصل إلى الحرم الجامعي ووجد نفسه غير مدرك لفجوات التمويل في المنحة التي عرضتها الجامعة عليه، لافتة إلى وجود اعتقاد خاطئ بأن كلمة "منحة" تعني تغطية جميع النفقات؛ ولكن في كثير من الأحيان هذا ليس هو الحال، إذ ان هؤلاء الطلبة كانوا متفوقين كفاية ليتمكنوا من تأمين قبول في جامعة أمريكية، وهدف المؤسسة هو ضمان أكبر عدد ممكن من قصص النجاح.
وذكرت أنه وبعد دراسة حالة كل طالب بدقة، نتدخل لمساعدة هؤلاء الطلاب دون تردد، لأننا نشعر أن الفشل ليس خيارًا.
لم تتوقف المؤسسة على دعم الطلبة الجامعيين بل تقدم دعماً سخياً للمنظمات الشريكة التي تعمل مع طلبة المدارس الثانوية، وتعمل على دفعهم إلى الأمام في المرحلة التالية من التعليم.
ويقع على كاهل المؤسسة توضيح بعض التكاليف التي قد لا تغطيها المنح، كما وتقتصر فرص العمل للطلاب الدوليين (حتى يتسنى لهم كسب مال كافي لتغطية الرسوم البسيطة) على العمل داخل الحرم الجامعي فقط، ويجب على الطلبة أيضًا دفع ضرائب على رسوم السكن الجامعي؛ إذ لا تغطي المنح في جميع الجامعات هذه التكاليف.
نحن في LE.O. كما وتوفر المؤسسة شبكة دعم قوية لمساعدة الطلبة في مواجهة مجموعة متنوعة من التحديات، بطريقة فريدة وغير مسبوقة، إذ تتبع LE.O. منهجية شاملة من أجل تحقيق أفضل النتائج.
وقالت ضياء ليونارد "نحن نعمل على إعداد وتوجيه الشباب في سن المدرسة الثانوية من خلال قسم التوجيه لدينا (المكون من طلابنا الأكبر سنا) من خلال إرشادهم لتجاوز اختبارات القبول الجامعية وتعبئة طلبات التقدم للجامعات، ونوجههم أيضا في مرحلة التقديم للفيزا والاستعداد للسفر، كما نوفر لهم ندوات تعليمية عبر الإنترنت تغطي جميع أنواع الموضوعات ذات الصلة (التي يتم إجراؤها أيضًا من قبل الطلاب الأكبر سنًا)، ونوفر لهم أيضا كتيب يحتوي على إرشادات وتوجيهات وإجابات للعديد من أسئلتهم بالإضافة إلى لقاءات تعريفية وتوجيهية مصممة خصيصا لتلبية احتياجاتهم. جميع هذه الخدمات مجانية للطلاب؛ فنحن نعتمد على جمع التبرعات لتغطية تكاليف اختبارات القبول، والسفر، والكتب، والملابس الشتوية الدافئة، وحالات الطوارئ، إلخ.
لا تكتفي المؤسسة الفريدة من نوعها حول العالم من تقديم منح دراسية بل تكون على تواصل منتظم مع الطلبة؛ وتهتم بمراجعة درجاتهم وأنشطتهم، وتقدم لهم التوجيه والدعم المستمرين حتى نهاية رحلتهم التعليمية، كذلك يتم تقييم حاجة كل طالب على حدة.
وتمكنت ضياء من تأسيس فريق قوي من الطلبة الفلسطينيين الذين يدرسون في الولايات المتحدة الأمريكية حتى تتمكن من معرفة احتياجاتهم وإشراكهم في إنشاء البرنامج، كما وشكلت مجلس إدارة ومستشارين لتوجيه المؤسسة وقيادتها بطريقة منهجية، ويتألف مجلس الإدارة من نخبة من المعلمين ومحبي الخير والأخصائيين النفسيين وقادة الأعمال والأميركيين-الفلسطينيين.
كما وتتألف المؤسسة من أصدقاء عائلة ليونارد الذين كرسوا حياتهم لتحسين مستقبل جيل الشباب في فلسطين، من أمثال الدكتور فاروق الشامي، الذي عمل والده في مشاريع محو الأمية في أوائل الخمسينيات مع والد الدكتور ليونارد، في الضفة الغربية.
وتوضح ضياء أن المؤسسة لا تتلقى تمويلاً من الحكومة الامريكية وإنما تعتمد بشكل أساسي على لطف وكرم الأشخاص في جميع أنحاء العالم الذين يعتقدون أن منح الشباب المؤهلين فرصة الوصول إلى التعليم هو أعظم هدية وواجب.
واختتمت ليونارد حديثها قائلةً "ليس لدي أي شك أن طلابنا سيكونون جزءًا من تأثير لا نهاية له، هؤلاء الطلبة الذين يساعدون اليوم في إدارة وإنجاح جميع جوانب البرنامج سوف يصبحون يوما ما أفرادا ناجحين في المجتمع قادرين على الإسهام في تمويل البرنامج ودعم الأجيال القادمة. فكلنا منا يلعب دورا في تحسين مستقبل جيل فلسطين الأصغر سنا".
قصص نجاح مثيرة
ولإيضاح الصورة أكثر عن عمل تلك المؤسسة الرائدة في مجال تمكين الطلبة كان لابد من مشاركة قصة ملهمة من إحدى أعضاء مجتمع LE.O. ، تقول إحدى الطالبات وهي من سكان مدينة غزة "لطالما رغبت في الدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية، لأنني أعلم أن نظام التعليم الأمريكي يمكنه أن يقدم لي مجالًا أوسع للمعرفة، ويقدم لي فرصًا لا يتمتع بها نظام التعليم الفلسطيني".
وتوضح الطالبة أنها تمكنت من إكمال درجتي بكالوريوس مختلفتين تمامًا عن بعضهما البعض (في الدراسات الأدبية الإنجليزية والأحياء) في وقت واحد، مشيرةً إلى أنه شيء يصعب تطبيقه في الجامعات الفلسطينية، مشيرة إلى أن دراستها في الولايات المتحدة وسعت من آفاقها العلمية، ودفعتها للتعرف على ثقافات جديدة وتجارب مختلفة.
وتضيف "كانت تجربتي في الجامعة غنية بتجارب رائعة ساهمت بشكل كبير في تشكيل المرأة التي أصبحتها اليوم، فقد علمتني أن أكون قوية الإرادة ومثابرة ومستقلة، وساعدتني أيضا في تكوين حلقات وصل ستستمر مدى الحياة. كان لقائي بضياء من أبرز وأهم الأشياء التي حدثت خلال دراستي الجامعية؛ فهي منذ ذلك الوقت كانت مرشدة قيمة وصديقة وفي مثابة فرد من العائلة".
كان استشهاد والدها ووالدتها واثنين من اخوتها وابن شقيقها البالغ من العمر أربع سنوات، بالإضافة إلى تعرض أفراد العائلة الناجين إلى إصابات خطيرة، في قصف إسرائيلي حدث خلال الهجوم الإسرائيلي على غزة عام 2014 يمثل فاجعة بالنسبة لها، بينما كانت في منتصف رحلتها الدراسية في ذلك الوقت، مشيرةً إلى أنها لم تتمكن من العودة إلى غزة لتكون مع عائلتها في هذا الوقت المأساوي؛ لأن الحرب كانت لا تزال مستمرة وكانت جميع حدود غزة مغلقة، قائلة "كنت قلقة جدا من أن أبقى عالقة في غزة وألا أستطيع العودة إلى الولايات المتحدة لإكمال دراستي".
الحافز الذي دفعها للتمسك في دراستها والصبر على مصابها الجلل أنها وجدت نفسها مسؤولة عن شقيقتيها (كانتا في الثالثة عشرة والثامنة عشرة من عمرهما في ذلك الوقت) اللتين كانتا على وشك بدء الدراسة الثانوية والجامعية.
وقالت "كنت أعرف جيدًا أنني لو عدت إلى غزة بدون شهادتي فلن أتمكن من دعم أخواتي، فنحن قد نشأنا في أسرة من المعلمين، وكانت أهمية التعليم، خاصة للإناث، واحدة من القيم الأساسية التي كبرنا عليها أنا وإخوتي، لذلك، كنت أعرف أن الشيء الوحيد الذي سيمكّن أختاي من النجاة والنجاح في مجتمع ذكوري لم يعد والدانا موجودين فيه لحمايتهما هو التعليم؛ فالدرجات العلمية ستجعلهن قويات ومستقلات ومعتمدات على أنفسهن. ولكن لكي أضمن تمكّن أختاي من إتمام دراستهن، كنت بحاجة للحصول على شهادتي أولاً.
وذكرت "أنه بدعم من أصدقائيا (وعلى رأسهم ضياء) وعائلتي وجامعتي، تمكنت من المضي قدمًا واتمام العامين المتبقيين من دراستي في عام واحد حتى أتمكن من العودة إلى غزة في أقرب فرصة وبيدي شهادتي الجامعية، رأيت أن النجاح في دراستي لم يكن فقط مفتاحا لحصول أختاي على مستقبل أفضل، بل أيضا كوسيلة أستطيع من خلالها إحياء ذكرى والديّ وتكريمهما. لذلك درست واجتهدت وتخرجت الأولى على دفعتي مع مرتبة الشرف.
وتضيف: بعد التخرج، عدت إلى غزة وعملت بجد لدعم أختاي لمدة ثلاث سنوات. بقيت ضياء ومعها جميع عائلة LE.O. على اتصال مستمر معي وتوفير الدعم المعنوي خلال ذلك الوقت. LE.O. وبعدما أنهت الكبرى من أختاي دراسة التمريض وأصبحت ممرضة مميزة تعمل مع أطباء بلا حدود، وأنهت الصغرى دراستها الثانوية بتقدير ممتاز وحازت على منحة لدراسة الطب البشري في مصر، قررت أن الوقت قد حان لكي أواصل مسيرتي التعليمية والتي كنت قد أجلتها قليلا نظرا للظروف التي مرت بها العائلة.
لم تقف الطالبة التي استطاعت ان تتميز من خلال مؤسسة ليونارد إلى هنا تم قبولها في برامج الدراسات العليا بفضل دعم مؤسسة LE.O..
بعد هذه الرحلة الطويلة، تقول الطالبة "ها أنا اليوم في منتصف الطريق إلى حصولي على درجة الماجستير في الدراسات النسوية والجندرية، والتي أركز على دراسة الدور الذي يلعبه وجود الاحتلال العسكري في تكثيف العنف ضد المرأة في فلسطين (وتحديداً في غزة). أركز أيضا في دراستي على تحليل الدور الذي تلعبه الهياكل الذكورية والدينية في تشكيل تجربة المرأة العربية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لا زالت مؤسسة LE.O. توفر الدعم والإرشاد لي؛ من المساعدة في نفقاتي التعليمية إلى تقديم الدعم المعنوي من خلال شبكة من المرشدين والأقران، إلى توفير وصولي إلى روابط لا تقدر بثمن يمكن أن تساعدني في بناء حياة مهنية قوية واتخاذ قرارات حكيمة بشأن رحلتي التعليمية ومستقبلي".


المصدر: " فلسطين اليوم"