* منى جويد الغصين
لا أستطيع أن أصدق أنه في زمننا هذا وفي هذا العصر مازلنا نرتكب جرائم شرف، أنا غاضبة ودمي يغلي، لا يوجد على الإطلاق شرفاً في القتل، ومن الخطأ تسمية هذه الأفعال التي ترتكب في جريمة قتل سواء ضد النساء في المقام الأول، وكذلك المثليين جنسياً أيضا بإعتبارها شرفاً، ووسيلة مشروعة للقتل لإستعادة شرف العائلة. وضع كلمة "الشرف" قبل القتل لا يمنحها صفة الشرعية، وتظل جريمة .
اقرأ ايضا: ميثاق الشرف بين الأحزاب والفصائل المشاركة في الانتخابات الفلسطينية
لا علاقة للشرف في تبرير الجرائم للدفاع عن كرامة عائلة، وإستعمال كلمة "شرف" لا تغطي الحقيقة بأنها جريمة. هذه ظاهرة لا علاقة لها بالشرف.. أي شرف؟
جريمة قتل الفتاة الفلسطينية "إسراء غريب" في الواحد والعشرون ربيعاً من مدينة بيت لحم على أيدي شقيقيها "محمد وإيهاب"، الذين يحملون الجنسية الكندية هو من حيث المبدأ عمل مرعب كانت "جريمتها" هي أنها التقطت صورة لنفسها مع خطيبها المنتظر ونشرتها على وسائل التواصل الإجتماعي .
إن هذا المبدأ القتل من أجل الشرف هذا المفهوم القديم هي جريمة بشعة ولا تنعكس سلباً فقط على الأسرة، ولكن على المجتمع ككل، مازالت التفاصيل الدقيقة لجريمة قتل "إسراء غريب" ضبابية، ولكن الحقائق التي تخرج على العلن هي ببساطة بربرية .
"إسراء غريب" هي فنانة مكياج في بداية حياتها المهنية، تمت خطبتها وفقا للتقاليد السائدة، عندما تقدم لخطبتها "الخطيب" برفقة أسرته لطلب يدها، كانت "جريمتها" وغلطتها، أنها نشرت صورة لها مع خطيبها وهم يتناولون الشاي برفقة شقيقته على السوشيال ميديا !!
هذا التصرف البريء أثار حفيظة إخوانها وأولاد عمومتها لدرجة أنهم طالبوا بإستعادة شرفهم، إخوانها "ايهاب ومحمد"، اعتدوا عليها جسدياً، وضربوها ضرباُ مبرحاً، مما أدى لسقوطها من شرفة المنزل وسبب لها جروحاَ في العمود الفقري .
"إسراء" حافظت على كرامتها بثبات وصمود شديدتين، ورفضت أن تستسلم للعنف الذي لحق بها، فكانت تجيب على الرسائل التي وصلتها "لإلغاء مواعيد عملها" بأنها قوية ولدي الارادة لأحيا"، وتابعت: "لا ترسلوا لي كوني قوية، أنا قوية الله سيحكم على هؤلاء الذين أذوني وإضطهدوني وألحقوا بي الضرر".. محاولات إسراء من أجل البقاء كانت بلا جدوى ولم تنجح .
في حرمة المستشفى التي كانت إسراء تنتظر فيها لإجراء عمليه جراحية واصل أهلها حملة العنف ضدها، وإستمروا بضربها حتى الموت، وسط تجاهل تام من طاقم المستشفى لصرخاتها مما زاد من تعقيد الجريمة !؟
بدون أن نحاول من أن نقلل من فاجعة موتها، لكن صمت السلطة الفلسطينية المطبق لعدة أيام وزاد الطين بله، إلى أن خرج المتظاهرون في مدينتي" بيت لحم ورام الله " إلى الشارع رافعين شعارات الإحتجاج تطالب بالعدالة لـ "إسراء "والتوقف عن قتل النساء .
كان هناك غضباً شديداً على صمت السلطة لعدة أيام على قتل "إسراء" وعلى عدم إدانتها علناً لقتل النساء .
قال لاحقاً رئيس الوزراء الفلسطيني "محمد اشتية: " أنه تم إعتقال عدد من المشتبه بهم وإستجوابهم، ونشر على صفحته على الفيسبوك أنه يجب علينا تعزيز القوانين والتشريعات من أجل حماية المرأة الفلسطينية .
عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية "حنان عشراوي" غردت على حسابها في "تويتر "جرائم الشرف ليس فيها شرف .. وهي جريمة قتل مع سبق الإصرار .
بالرغم من أن قوانين جرائم الشرف في فلسطين تم إلغائها رسمياً بموجب مرسوم رئاسي، ولكن الواقع أن المحاكم تغض نظرها عن هذا الإلغاء وتدير وجهها عن هذه الجرائم .
على الرغم من وجود منظمات نسائية تناضل دفاعاً عن حقوق المرأة، ومن أجل تطبيق المساواة بين الرجل والمرأة . إلا أن هذه المسألة تعتبر أمرا ثانوياً بحجة أن هناك إحتلال وقضايا أهم من مسألة المساواة بين المرأة والرجل .
العنف القائم على الجنس (المرأة) لا يقتصر على الفلسطينيين أو العالم العربي أو الإسلامي، بل ترجع جذوره إلى قوانين الإمبراطورية الرومانية التي طبقت من قبل " أوغسطس قيصر "، والذي أجاز قتل الأمهات لبناتهن وقتل الأزواج لزوجاتهن إذا ما تم ضلوعهن في قضايا جنسية أو إرتكبوا خيانة زوجية، وإرتكزوا في ذلك على الإعتقاد بأن النساء ملك للرجال، فالأمر ليس له علاقة له بالدين على الإطلاق .هذا الأمر "قتل النساء" ينطبق على ثقافات كثيرة حتى أنه طبق في فرنسا بموجب" قانون نابليون" وكان مسموحاً العمل به حتى تم إلغاؤه في عام 1975.
بالنسبة لي، القضية الأهم هو المبدأ والموقف السائد تجاه النساء في العديد من أنحاء العالم، حيث إنهن حتى لو تعرضن للإغتصاب، فإنهن إما يجبرن على الزواج من المغتصب أو القتل لمحو "العار" الذي تم جلبه للعائلة !
قبول المجتمع لهذه الممارسات والصمت عنها يدلل على أن المجتمع محصن بمفاهيم خاطئة حول الشرف، تظهر عدم إحترام للإنسانية والحق في الحياة .
هذا مشين، فالشرف لا يتحقق بالقتل! هذه المغالطة التي توجد في بعض المجتمعات الأبوية حيث الهيمنة والسيطرة على المرأة تعبر عن القوة الرجولية، هذه النظم الأبوية التي تعتمد على هيمنة الرجل وتعتبر أن المرأة أقل كيانًا وتبرر قتلها على أنها "قتل شرف" كما لو أنها أكثر قبولاً وأقل جرماً " ؟!
كل امرأة يجب أن يكون لها الحق في ملكية جسدها، ونحن بحاجة للتثقيف ولتعزيز مبدأ أن العنف ضد المرأة غير مقبول.
إن تغيير القوانين لحماية المرأة لا يكفي بحد ذاته، نحن بحاجة لثقافة جماعية تعزز مبدأ أن العنف ضد المرأة أمر غير مقبول .
للأسف الشديد معظم المواقف السلبية تجاه المرأة مدعومة من النساء أنفسهن، وذلك لصمتهن وشعورهن أنه ليس لديهن صوت أو حق في التعبير، بسبب الخوف من التبعيات وردود الفعل .
عائلة "إسراء" تواصل إصرارها على أن "إسراء" ماتت بنوبة قلبية، وأنها كانت غير متزنة "عقليًا" وكأنهم إرتكبوا الجريمة مرتين ضد هذه الفتاة الصغيرة.
من الأهمية بمكان أن نبذل جهوداً مكثفة لتغيير هذه المواقف، ومن الضروري جعل هذا الصنف من "الرجال" أن يشاركوا في هذه الجهود بدور فعال ونشط وأن يدينوا وبصوت عال جرائم "عدم الشرف" .

* كـاتبة فلسطــينية