لم يخطر على بال أحد أن يمتد تأثير جائحة كورونا أو COVID-19 إلى الولايات المتحدة نظراً لبعد المسافة عن مركز انتشار المرض وتفشيه في الصين. لكن تصريحات وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر، من احتمال استمرار الفوضى السياسي والاقتصادية الناجمة عن وباء الفيروس التاجي لأجيال، تعني أن هناك نظاماً عالمياً جديداً بدء بالتشكل.

فتلك التصريحات من مسؤول بوزن كيسنجر تنم عن أن الخطر العالمي لهذا الفيروس على التاريخ والمجتمع البشري تشي بأنه لا بد من إعادة تغيير في البنية العالمية للقوى الكبرى والتي أثبتت التجربة أنها دول صغرى بعد تعرضها لهجوم الفيروس.

اقرأ ايضا: الجنوب في النظام العالمي والحاجة إلى "باندونج" جديدة

 ومن المعروف أنه بعد كل صدمة اقتصادية أو جائحة صحية وبائية فإن أثارها تبقى لأعوام وعقود: فمثلاً، لقد أثر الفيروس على كيفية السفر والعمل ودمر قطاعات كانت تتحكم بمفاصل الاقتصادات العالمية وتفشت أعداد العاطلين عن العمل وارتفع العجز في معظم دول العالم وتراجع حجم النمو العالمي إلى مستويات لم يكن المتشائمون مالياً واقتصادياً يتوقعونها يوماً.

فلم يؤثر الفيروس على الطلب العالمي فحسب بل وعلى العرض أيضاً ما دفع إلى تراجع شامل في كافة القطاعات حتى الخدمية مع انتعاش في السوق الالكتروني. فمع ازدياد الانغلاق العالمي والتشدد الأمني والصحي ما بين الدول، فإن تبادل السلع أصبح صعباً جداً إن لم يكن مستحيلاً لتوقف حركة نقل البضائع ما دفع بعض الدول إلى تحويل خطوط الإنتاج من سلع استراتيجية إلى استهلاكية أساسية (الطريق نحو الحمائية الإجبارية التي تقود إلى الشعبوية بامتياز)

وإذا لم ينته العالم قريباً من هذه الجائحة فإننا سنشهد المزيد من تحكم الدول وخصوصاً دول العالم الثالث بشعوبها تحت ذريعة الفيروس والحرص على عدم انتشاره بفرض المزيد من الإجراءات الصارمة التي تلغي الممارسات الديمقراطية أو حتى حرية التعبير عن الرأي – إن وجدت. وبما أن الكثير من دول العالم الثالث تمتاز بظاهرة الانفجار السكاني الشبابي الذين يشكلون ما نسبته ٧٠ بالمائة من التركيبة الديمغرافية فيها، فإننا أمام ثورات أو مظاهرات شبابية عنيفة ما لم تلبِ حكومات تلك الدول مطالب وحاجات تلك الفئة الشبابية التي تعاني – قبل ظاهرة كورونا – من تفشي البطالة في صفوفها إذ تضاعفت تلك النسب بشكل غير مسبوق في بضعة أسابيع.

 أما إذا ما استمر الوضع الراهن لفترة أطول، فإن خبراء وعلماء علم النفس والأمراض الوبائية يتوقعون تغيراً كبيراً في الطباع والسلوك الإنساني وارتفاعاً في حالات العنف الأسري وضغطاً كبيراً على الصناديق السيادية والأرصدة الاحتياطية للدول، ما يجبر الجميع على اللجوء إلى ترسيم المرحلة الجديدة بالدعوة لنظام عالمي جديد يراعي مصالح الجميع. فإن لم يتحقق ذلك، فإن حرباً مفتعلة قد تكون هي المفتاح لشرارة الحرب العالمية الثالثة في نطاق محدد من الكرة الأرضية لخدمة مصالح الدول الكبرى والتحكم من جديد بمصادر وثروات الدول الفقيرة.

 

*  إعلامي وسياسي أردني

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دار الحياة