أ. ثائر المالكي
إن كان هناك من شيء تعلمناه في خضم متابعتنا للحراك الشعبي في أمريكا فهو تحقيق مقولة ليس بالخبز وحده يعيش الإنسان. وقد أدرك الآباء المؤسسون لأمريكا هذه الحقيقة وعرفها الأمريكيون أكثر من أي شعب آخر يعيش اليوم وذلك بنقيض مايشاع من كليشيهات مبتذلة عن مادية الغرب الرأسمالي.
كنت أتساءل وأنا أتابع الآلاف يتظاهرون مطالبين بالعدالة الجنائية والاجتماعية, وتقديس الحياة والمساواة بين أفراد المجتمع عن السبب الذي يمكن أن يحرك الحشود لتغامر بحياتها وتتحدى خطر العدوى بفيروس كورونا في سبيل مجموعة من المفاهيم المجردة.
اقرأ ايضا: مجلس حقوق الإنسان الدولي والتحقيق بجرائم الحرب الاسرائيلية
لعل مقاربة تاريخية بين إعلان الاستقلال وبين الوثيقة العظمى Magna Carta كفيلة بتوضيح حجم النضج الذي مرت به الإنسانية خلال ستة قرون تفصل بين الوثيقتين. فبينما ركزت الوثيقة العظمى على أحكام تشريعية وحدود قانونية, تم إثراء إعلان الاستقلال بتشكيلة غنية من المفاهيم المجردة الأقرب للفكر منها إلى التشريعات والقوانين, وهنا نجد أنفسنا أمام مجموعة من التساؤلات حول السبب الذي جعل الآباء المؤسسين يدرجون مفاهيم مثل الحق في الحياة والبحث عن السعادة وكون البشر قد خلقوا سواسية ومبدأ التقاضي من خلال المحلفين في وثيقة هدفها إشهار انفصال مجموعة من الولايات عن بريطانيا لتصبح ولايات مستقلة. السبب هو أن الذين كتبوا إعلان الاستقلال أدركوا أن العدل أساس الملك وأن سعادة وحياة الفرد هي أساس نشأة الأمم.
ولهذا كانت خطبة الوداع التي ألقاها الرسول عليه الصلاة والسلام تتضمن أسسا وقيما جوهرية بدأت بالتوحيد ثم حرمة الدماء والأموال وبطلان دماء وربا ومآثر الجاهلية بل وامتدت لترسخ حقائق كونية لها علاقة بالتقويم والزمان ثم عرجت على التماسك الأسري وحقوق المرأة وختمت بأخوة المسلمين.
لايمكن لمن ليس له تماس مع الفكر أن يتقبل أو أن يتصور حراكا شعبيا يهدد حياة المنضويين تحته مدفوعا بأفكار لا بمطالب محددة. حياة السود مهمة, لا أجد مطلبا واضحا هنا بل أجد فكرةعظيمة تستحق منا كل التقدير والإجلال. كيف لا وهي تتفق في جوهرها مع القيم التي أقرتها الأديان السماوية. حياة السود مهمة, جملة تتضمن في ثناياها الكثير لنتعلمه والكثير من الحوافز التي حركت النضال لاجل الحقوق عير القارات الخمس منذ قرون.
يصعب أن تستوعب العقول المحدودة الحق و القوة و المضامين المحتواة في المفاهيم المجردة, لذلك لن تسمع في العالم العربي أصوات المثقفين ولذلك ستجد في العالم العربي الكثير من الفقهاء والقلة من المفكرين الإسلاميين. لكن الإنسان لايعيش بالخبز فقط ولهذا تظاهر الأمريكيون امام البيت الأبيض ولم يعنهم أن ترامب جلب إليهم الوظائف فما قيمة الوظائف حين تهدر الحقوق؟
العالم تطور كثيرا خلال ستة قرون فصلت بين الوثيقة العظمى وإعلان الاستقلال لكننا لم نتطور بل مررنا بحالة من النكسة البشعة التي جعلتنا نعيش ضمن إطار المفاهيم المحسوسة فحسب وضمرت احتياجاتنا العليا التي تحدث عنها ابراهام ماسلو في هرمه الشهيرلنصبح أسرى لغرائز أولية تحركنا كما الماشية.
خلال ستة قرون ظهر لدى الغرب أدباء ومفكرون وفلاسفة ومصلحون ولم يظهر لدينا سوى شذرات من هنا أو هناك أمعنا في تجاهلها فلم نعد قادرين على تذكر أسماء مثل الكواكبي والأفغاني ومالك بن نبي.
العدل ليس مسألة رأي شخصي أو قرارا يتخذه فرد أو مجموعة, العدل منظومة متكاملة وإجراءات تضمن تساوي الجميع أمام القانون. إني لأضحك بحق من الذين يصفون حاكما بأنه عادل غير مدركين لحجم التناقض في كلماتهم فحين يكون راس السلطة هو القائم على تنفيذ العدالة وهو الخصم والحكم والجلاد تنتفي عندها صفة العدالة منه حتى ولو سعى جاهدا لتطبيقها, حين أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة بالهجرة للحبشة لم يقل لهم ان فيها ملكا عادلا بل قال لهم أن فيها ملكا لايظلم عنده أحد, أي أن القانون العادل يحكمه وليس هو الذي يطوع القوانين لتحقيق العدالة وفق تعريفه.
يستحيل تحقيق العدالة دون حرية ودون فصل السلطات ودون آلية محاسبة صارمة فإذا كان القضاء يحاسب المجرمين فمن يحاسب القضاء؟
,اختم بالتأكيد على ان الشعب الأمريكي قد خاض صراعات عديدة في تاريخه منذ مطالبته بالاستقلال ثم الحرب الأهلية التي حررت العبيد ثم خوضه للحرب العالمية الثانية في مواجهة الاستبداد النازي ومن بعدها الحرب الباردة ثم حركة الحقوق المدنية التي ألغت التفرقة العنصرية ومظاهراته المعادية للحرب في فيتنام. إن أمريكا بلد قامت على التظاهر السلمي والسعي للحصول على الحقوق.
هذه الصراعات وهذا الكفاح صنعا من الشعب الأمريكي شعبا ديناميكيا يتطور ويرتقي ويتفاعل مع المستجدات ويدافع عن قيمه. هذا الشعب يختار حكومته ويضع معاييره المجتمعية والتي قد تصيب وقد تخطئ وهو على استعداد للمغامرة بحياته والتخلي عن مغريات الوظائف والرفاهية للدفاع عن قيمه, وليس بالخبز وحده يعيش الإنسان.
* أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اليمنية
** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"