* عادل نعمان
ويتفاقم الخلاف ويتصاعد بين المؤيدين لفتح المساجد لإقامة صلاة الجمعة والجماعة، مهما كانت المصائب من التزاحم والتلاصق، ونقل الفيروس من تلامس جباه المصلين لسجاد الصلاة الناقل للعدوى، وبين من يؤيد الصلاة فى البيوت حفاظاً على صحة الناس وسلامتهم، ووقف زحف هذا الوباء وتفشيه وانتشاره بين الناس، وإن لم تكن القاعدة الشرعية «درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة» هذا أوانها وعنوانها، ومكانها المناسب، فأين نضعها وكيف نطبقها ومتى نضعها؟ ولست أرى مبرراً لهذا الإسراع والإلحاح فى فتح المساجد وكأن العبادة مقبولة فيها ومرفوضة فى بيوتنا، وكلها بيوت الله «وجعلت لى الأرض مسجداً وطهوراً». وحتى احتكم الأمر وخرجت علينا وزارة الأوقاف بفكرة عبقرية، انتصارا لفريقها الأول الغالب، وقررت فرش المساجد بموكيت جديد بدلاً من القديم المتهالك، بثلاثة مليارات من الجنيهات، حتى يصلى المصلون فى المساجد على موكيت فاخر جديد أنيق وثير مزركش، ويعمر المصلون بيوت الله، ويتزاحمون ويتراصون ويتلاصقون، القدم فى القدم والكتف فى الكتف، ومستشفياتنا خاوية على عروشها، فلا سرير لمريض، ولا منظفات كافية، ولا أدوية تصد وترد هذا الوباء، ويكفينا الدعاء على موكيت وزارة الأوقاف، ولله الأمر من قبل ومن بعد، حتى يأذن لنا الله يوماً برجل رشيد يقول الحق ويهدينا السبيل، ولا يخاف هوس المهووسين.
وكنا قد بدأنا ننادى بوقف الحج لهذا العام، حتى لا تتفاقم الكارثة، ويستفحل الداء، ويتفشى الوباء فى البلاد، ويزحف بجحافله علينا من كل حدب وصوب، وهو أمر مؤكد وقاطع، ولن تحاصره بركات الناس الطيبين، أو دعوات العابدين القانتين، ولست مؤيداً لهؤلاء الدراويش الذين يصدون عن الناس كل البلايا والمصائب إذا تواصلوا مع الله، أو توكلوا عليه، أو اقتربوا منه بالصدقات أو الزكاة أو العبادة أو النوافل أو الحج والعمرة، دون الأخذ بالأسباب والوسائل والعلم، والالتزام بالتعليمات والاحتياطيات الواجب اتباعها، ولو كان أمر العباد ليس بالأسباب، ما تدافع الحجيج فى منى وهم بين شعيرة من شعائره ومات الآلاف، وما هوت الرافعة على الحجيج والمعتمرين وهم بين السعى والطواف ومات منهم العشرات، وما قتل القرامطة الحجاج العالقين بأستار الكعبة يدعون ويناجون ويتقربون، وقتلوا منهم ثلاثين ألفاً، وأغلقوا البيت الحرام عشر سنوات فى وجه زواره، وما ضربها من ضربها بالمجانيق محتلاً وغاشماً فى العهد الأموى، وقلنا مراراً لو كانت النجاة من الأمراض والأوبئة على قدر إيمان العباد، لكنا الأصحاء والأقوياء والمتعافين على كل خلق الله.
اقرأ ايضا: لماذا لا يجب ألا ترعبنا صفقة القرن؟
والأمر هذا محكوم بقرار المملكة، وأرجو أن تقرر التأجيل فوراً، حفاظاً على أرواح الناس، وحتى ترفع الحرج عن حكومات الدول أمام شعوبها، ونضمن رضوخ وامتثال كل المؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية والجماعات الإسلامية قاطبة لهذا القرار، بل أؤكد على مباركتهم لهذا المرسوم السامى، وتفرغهم جميعاً للبحث عن تأصيل شرعى لهذا، حتى لو كان مخالفاً، ولن يكون الامتثال لهذا القرار على هذا النحو لو اتخذته حكومة بلد من البلاد بمفردها، وربما لن تفلت من طول ألسنتهم، واتهامها بالكفر وتعطيلها لشعيرة من الشعائر الدينية، إلا أن جهيزة خاصتهم تكون قد قطعت قول كل خطيب، وجهيزة هذه سرها باتع، وتقطع الأمر قطعاً سواء بالجزرة أو بالعصا، فمن استجاب من النداء الأول كان سعيه مشكوراً، ومن تباطأ إلى الثانى كان سعيه مذموماً مهجوراً، وقد كنت أتمنى أن يكون قراراً مصرياً محلياً خالصاً أياً كان قرارهم، سواء بالفتح أو بالغلق، فهو مصيرنا جميعاً، وحياتنا وسلامتنا، والواجب الحفاظ عليها وهى الأولى بالرعاية، مهما كانت التداعيات، وتعارضها مع مصالح الآخرين.
العبادة حالة رضا بين الإنسان وخالقه، لا يعرف نجواها وسريرتها إلا الله وعبده، هى لحظة كاشفة لا يخفى على أحدهما الآخر، حتى لو تراصت صفوف المصلين بالمئات، أو ازدحمت دوائر الطائفين والساعين بالآلاف، وما يدريك أن الشوق إلى الله وإلى زيارة بيته، يأتيك بها لتطوف بها، كما قالوا: لما تاقت رابعة العدوية إلى الحج فى مرضها، جاءتها الكعبة على فراشها.
سلامة الناس بالدنيا، وتسبق الصلاة والحج والعمرة، والحفاظ على أرواح الناس مقدم على كل المصالح والفوائد والأرباح التى تصب فى جيوب الأغنياء هنا وهناك، وليعلم الجميع أن ما نحن فيه الآن من تفاقم المرض كان بسبب الفتح المفرط فى رمضان وأيام العيد، أما لو سمحنا بالحج هذا العام ومهما كانت الإجراءات الاحترازية فهو الهلاك بعينه، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد.
* كاتب مصري وباحث فى تاريخ الجماعات الاسلامية عضو المجلس الأعلى للثقافة
** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"