* مفيد الديك
كثيرون يسألونني بحكم عيشي الطويل وعملي لفترة طويلة مع الحكومة الأميركية السؤال التالي: كيف يمكن لهذه الأميركا العظمى، بشعبها المتعلم، المبتكر، العلماني بغالبيته، واللطيف إجمالا، أن تنتخب شخصا كدونالد ترمب رئيسا لها في العام 2016؟ كيف يمكن لهذه الأميركا التي أصبحت العنوان لكل باحث عن العدالة والفرصة والتقدم أن تنتخب مثل هذا الرجل الجهول، الأرعن، المتغطرس، العنصري، رئيسا لها لمرة ثانية بعد ما رأته منه خلال فترته الأولى؟ وإذا كان الجواب هو أن أميركا لم تكن تعرفه حينئذ ولم يكن مؤيدو المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون مغرمين بها كما كانوا بسلفها باراك أوباما الذي فاز في الانتخابات الأميركية مرتين بنسب مريحة جدا، فكيف لهم أن ينتخبوه الآن بعد أن رأوه يتصرف ببلاهة وغطرسة وتخبط وجهل لم يروه أبدا في أي من رؤسائهم السابقين؟؟
سؤال في محله فعلا وهو سؤال يؤرق غالبية العالم وغالبية حلفاء أميركا الأقرب، أوروبا وكندا، بل وغالبية الأميركيين أنفسهم، وأنا منهم بالتأكيد. فعلا كيف يمكن لأميركا أن تنتخب وأن تعيد انتخاب هذا الرجل الذي يكذب على مواطنيه كل يوم، ويطلق تصريحات من شأنها أن تقود إلى تمزيق أميركا، ويختلق معارك جانبية مع غالبية دول العالم كل يوم، ويمزق كل أو غالبية المنظمات الدولية التي خلقتها أميركا أصلا واستعملتها خلال السبعين عاما الماضية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في إدارة سياستها الخارجية، والتي آخرها كانت منظمة الصحة الدولية؟ كيف يمكن لأميركا أن تعيد انتخاب هذا الرجل الذي لم يترك لأميركا صديقا في العالم سوى بعض الديكتاتوريات في العالم الثالث التي كان رؤساء أميركا ينظرون إلى العلاقة معها دائما بأنها عبء على أميركا ودبلوماسييها في الخارج، في حين يستعدي أفضل أصدقاء أميركا من فرنسا وبريطانيا وألمانيا وكندا والمكسيك وغيرها من الدول التي لم يكن أفضل منها أصدقاء لأميركا على مر السنوات السبعين الماضية؟
اقرأ ايضا: هل انتهى ترمب ليبدأ غالبية سكان العالم بتوزيع الحلوى فرحا؟
للرد على هذه الأسئلة المحقة، دعوني أبدأ بالقول إن الرئيس الأميركي ليس بحاجة لكل أميركا للتصويت لصالحه ليصبح رئيسا، وبالتالي فأميركا ليست هي التي تنتخب رئيسها، بل جزء منها، وقد يكون أحيانا جزءا صغيرا جدا. إذن، فالفائز بانتخابات الرئاسة الأميركية هو بحاجة لكسب تأييد لا أكثر من نسبة قريبة من الخمسين بالمئة من أصوات الناخبين الذين يشاركون في الانتخابات. ولعل القارىء لا يعرف أن نسبة الأميركيين الذين يشاركون في الانتخابات هي من أقل نسب المشاركة في الانتخابات في العالم، إذ عادة ما يشارك في هذه الانتخابات بين 55% و60% فقط من الذين يحق لهم التصويت. قارن ذلك بنسبة المشاركين في الانتخابات الفرنسية التي تبلغ في المتوسط 67%، وألمانيا التي تصل فيها إلى 70% وبريطانيا التي تناهز الـ 68%، وإسرائيل المجاورة التي قد تصل فيها النسبة أحيانا إلى ما يقرب من 80%. وأميركا هي الدولة رقم 26 من بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي يبلغ عددها 37 دولة من حيث نسبة مشاركة مواطنيها في الانتخابات الرئاسي، وهي أدى بكثير في انتخابات حكام الولايات وأعضاء الكونغرس وغيرها من الانتخابات المحلية. وهو ما يعني أن الفائز في الانتخابات الرئاسية يحتاج إلى ما بين 27% إلى 30%، من المقترعين في أفضل الأحيان، للفوز بهذه الانتخابات لأربع سنوات!
القضية الثانية المهمة التي يجب التنبه إليها في بحث مسألة الانتخابات الأميركية هي أن قوى اليمين المحافظ والمتدينين في كل أنحاء العالم، وفي أميركا بالذات، عادة ما يشاركون بأعداد أكبر بكثير من قوى اليسار والليبرالية، وبنسب قد تصل إلى 25% حسب بعض الدراسات. وهو ما يعني أنه حتى لو كانت القوى اليسارية الليبرالية في أميركا أكبر من حيث العدد، وهي أكبر فعلا من قوى اليمين المحافظ، فإن نسبة المشاركين من اليمين المحافظ في الانتخابات، أي انتخابات رئاسية أو تشريعية (انتخابات الكونغرس)، هي أعلى بالتأكيد من نسبة المشاركين اليساريين الليبراليين. وهذا ما قد يتطلب أحيانا أن تشارك نسبة أعلى بما قد يزيد على 25 بالمئة من اليساريين الليبراليين لكي يوازوا، لا أن يتفوقوا، بل يوازوا فقط قوة المشاركين من اليمين المحافظ الذين يشاركون عادة في الانتخابات، وتقريبا من دون عملية تحشيد إضافية. هناك قضية محددة، وهي قضية الإجهاض، التي تعتبرها نسبة عالية من اليمين الأميركي المحافظ قضية موت أو حياة بالنسبة لهم، التي يمكن أن تدفع بغالبية مقترعي اليمين المحافظ إلى صناديق الاقتراع للتصويت لمرشح الحزب الجمهوري، الذي بدأ يتحول خلال السنوات الثلاثين الماضية إلى حزب يميني، عنصري، قومي على شاكلة الأحزاب اليمينية القومية في أوروبا.
وبالتالي، فإنه عادة ما يكون على المرشح الديمقراطي أن يبني تحالفا من أقليات مختلفة، كالسود والمتحدرين من أصول أميركية جنوبية (الهسبانيك) والعرب والمسلمين والآسيويين بل واليهود (غالبيتهم من المنتسبين للحزب الديمقراطي ونسبة المنتسبين إلى الحزب الديمقراطي من اليهود الأميركيين قد تصل إلى 80%، على عكس ما قد يعتقد البعض)، فضلا عن نسبة معقولة من البيض المتعلمين والنساء والمستقلين للفوز بانتخابات الرئاسة الأميركية. وهي عادة ما تكون مهمة أصعب من مهمة منافسه الجمهوري الذي يتكىء تلقائيا على تحالف طبيعي من البيض والمتدينين والمتطرفين القوميين دينيا وعرقيا وكبار السن في الولايات المتحدة. ميزة هؤلاء أن دافعهم للمشاركة في الانتخابات هو دافع أكبر بكثير من دوافع تحالف المرشح الديمقراطي، فهولاء يكونون مدفوعين إما بدوافع دينية (رفض قضية الإجهاض التي يؤيدها الديمقراطيون) أو دوافع إيديولوجية (مثل قضايا كراهية الأجانب والمهاجرين الجدد والسود وتقييد الهجرة إلى أميركا وتقييد يدي الحكومة في التدخل في حرية المواطن وحرية تملك السلاح)، وهي قضايا وجودية بالنسبة إلى شرائح واسعة من هؤلاء، ما يجعلهم يشاركون في الانتخابات بحماس والتزام أكبر بكثير من ناخبي المرشح الديمقراطي. وبما أن القضايا التي يمكن بناء تحالف يميني محافظ على أساسها هي أقل عددا وأكثر تجانسا، فإن مهمة المرشح الجمهوري عادة ما تكون أسهل بكثير من مهمة بناء تحالف الانتصاتر للمرشح الديمقراطي، إذ أن القضايا الليبرالية عديدة جدا ومترامية الأطراف – من توسيع نظام الرعاية الصحية ليشمل الجميع، إلى تشجيع الهجرة وترسيخ حقوق الأقليات وحماية الحريات الأساسية للدستور الأميركي كحق حرية التعبير والصحافة وغيرها، وجعل التعليم الجامعي أكثر يسرا بالنسبة إلى غالبية الأميركيين ورفع أجور العاملين الأميركيين وتقييد تملك السلاح، وغيرها الكثير.
في انتخابات العام 2008 فاز الرئيس الديمقراطي باراك أوباما، لأنه بنى تحالفا واسعا من الجهات التي ذكرتها من قبل، ولكنه حصل أيضا على بعض الدعم من أعضاء الحزب الجمهوري وبعض الشخصيات السياسية التي لديها آراء محافظة. وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من الدعم الذي حصل عليه أوباما جاءت من الدوائر الليبرالية في الولايات المتحدة، إلا أن بعض المحافظين الذين ارتأوا فيه إمكانية أن يحقق لهم بعض الأولويات المشتركة أو رأوا فيه بعض السمات الإيجابية الأخرى. كما هو الحال في أي انتخابات، يمكن للناخبين الأميركيين دائما أن يصوتوا لمرشح غير مرشح حزبهم. وغالبًا ما يُشار إلى أنصار أوباما الجمهوريين والمحافظين كـ "جمهوريي أوباما"، تماما كما سُمي بعض الديمقراطيين الذين صوتوا لصالح المرشح الجمهوري في مطلع الثمانينات رونالد ريغان بـ "ديمقراطيي ريغان."
وكان من بين المؤيدين الجمهوريين والمحافظين لأوباما مسؤولون منتخبون ومسؤولون منتخبون سابقون وأكاديميون ومعلقون وضباط عسكريون متقاعدون وغيرهم. وفقًا لاستطلاعات الخروج في يوم انتخابات أوباما في نوفمبر 2008، صوت 9 ٪ من أولئك الذين عرفوا أنفسهم بأنهم جمهوريو أوباما، بل إن بعض استطلاعات الرأي أفادت أن 22 ٪ من المحافظين فضلوا أوباما، وهي زيادة كبيرة عن نسبة الـ 6٪ من الجمهوريين الذين تم تحديدهم ذاتيًا الذين صوتوا لصالح جون كيري في العام 2004.
ملاحظة أخيرة، تذكروا أن الانتخابات الأميركية لا تعتمد على عدد الأصوات الشعبية التي يحصل عليها المرشح، بل هناك ما يسمى بأصوات "الهيئة الانتخابية" التي تقرر من يفوز بالانتخابات الرئاسية. هيلاري كلينتون تفوقت على ترمب بأكثر من مليوني صوت عبر الولايات المتحدة في انتخابات العام 2016 ولكن ترمب فاز عليها بأصوات "الهيئة الانتخابية"!!
هل لا زال الجالس في البيت الأبيض اليوم، دونالد ترمب، قادرا على تحفيز هذه القاعدة من المقترعين اليمينين المحافظين، للخروج بأعداد كبيرة لصالحه يوم انتخابات 3 نوفمبر القادم؟ وهل أدى أداء ترمب الضعيف جدا في مواجهة أزمتي وباء كورونا والمظاهرات العرقية في أميركا إلى انخفاض التأييد له في الدوائر المحافظة؟ هل سيتمكن المرشح الديمقراطي بايدن من تحفيز كم ضخم من الأميركيين من الليبراليين للخروج يوم الانتخاب للتصويت له؟ تابعوني في الحلقة التالية.
* دبلوماسي أمريكي سابق
** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دار الحياة