* مفيد الديك
سيقرر الناخبون الأميركيون في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، أي بعد أقل من 60 يوما من إصدار هذا المقال، ما إذا كان دونالد ترامب سيبقى في البيت الأبيض لمدة أربع سنوات أخرى، وهو ما ستكون له عواقب ملحوظة على هوية
سيقرر الناخبون الأميركيون في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، أي بعد أقل من 60 يوما من إصدار هذا المقال، ما إذا كان دونالد ترامب سيبقى في البيت الأبيض لمدة أربع سنوات أخرى، وهو ما ستكون له عواقب ملحوظة على هوية أميركا وشكل العلاقات الدولية وشكل التحالفات والتوازنات في منطقة الشرق الأوسط.
اقرأ ايضا: استطلاعات الرأي حول الرئاسة الأميركية .. ما لا يُقال
ويتحدى ترامب في هذه الانتخابات المفصلية مرشح الحزب الديمقراطي جو بايدن، نائب الرئيس السابق باراك أوباما الذي يعمل في السياسة الأميركية منذ سبعينيات القرن الماضي.
ومع اقتراب يوم الانتخابات، ستحاول شركات استطلاعات الرأي قياس الحالة المزاجية للأمة من خلال سؤال الناخبين عن المرشح الذي يفضلونه ولمن سيصوتون في الانتخابات القادمة.
المراقبون والمحللون السياسيون من شاكلتي سيقومون بتتبع هذه الاستطلاعات عن كثب لمحاولة معرفة ما يمكنهم وما لا يمكنهم إخبارنا به حول من سيفوز في الانتخابات. السؤال الذي يُطرح علينا منذ أشهر، هو من سيفوز في هذه الانتخابات؟ الجواب، باختصار، هو إن هناك مؤشرات قوية إلى إمكانية فوز مرشح معين، والسبب في هذا هو استطلاعات الرأي الأميركية التي تشير بشكل مستقر تقريبا منذ بداية الصيف إلى تقدم المرشح الديمقراطي بايدن على ترامب. ولكن الجواب الأقصر هو في الواقع "لا أحد يعرف، ربما سوى ميشيل حايك، وبدرجة أقل ليلى عبداللطيف!"
ماذا تقول استطلاعات الرأي عن المرشحين الرئاسيين على الصعيد الوطني؟
تعتبر استطلاعات الرأي الوطنية دليلًا جيدًا على مدى شعبية المرشح في جميع أنحاء البلاد ككل، ولكنها ليست بالضرورة طريقة جيدة للتنبؤ بنتيجة الانتخابات.
في العام 2016، على سبيل المثال، وكما قد تتذكرون، كانت المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون متقدمة في استطلاعات الرأي وحصلت على ما يقرب من ثلاثة ملايين صوت أكثر من دونالد ترامب في يوم الانتخاب، لكنها خسرت الانتخاب- وذلك لأن الولايات المتحدة تستخدم نظام ما يسمى بالكلية أو الهيئة الانتخابية (Electoral College)، لذا فإن الفوز بأكبر عدد من الأصوات الشعبية لا يمنح المرشح الفائز بها دائما الانتصار في الانتخاب.
وبالمثل، فإن جو بايدن لا يزال متقدمًا على دونالد ترامب في الغالبية العظمى من استطلاعات الرأي الوطنية منذ بداية العام وحتى اليوم، حتى في استطلاعات الرأي المقربة من الحزب الجمهوري. بل إنه اقترب كثيرا من نقطة الـ 50٪ في الأشهر الأخيرة وتصدر 10 نقاط يتفوق بها على ترامب في بعض المناسبات، وهو مؤشر جيد جدا لبايدن.
وإذ ما قارنا ذلك بالفترة التي سبقت يوم الانتخاب في 2016، كانت استطلاعات الرأي أقل وضوحًا بكثير وفصلت بضع نقاط مئوية فقط بين كلينتون وترامب في عدة نقاط قد لا تتجاوز الـ 3 مع اقتراب يوم الانتخابات. لكن الفارق في استطلاعات الرأي الوطنية بين بايدن وترامب هذه المرة أكثر وضوحا وأكثر صحية وثباتا عما كان الأمر عليه في العام 2016 مع كلينتون.
ما هي الولايات الأميركية التي ستقرر هذه الانتخابات؟
كما اكتشفت السيدة كلينتون في العام 2016، فإن عدد الأصوات الشعبية التي يفوز بها مرشح رئاسي ما هو أقل أهمية من الولايات التي يفوز فيها. وكما شرحت في مقال سابق عن الموضوع، فإن غالبية الولايات الأميركية تصوت، تاريخيا، بغالبية إما للجمهوريين أو للديمقراطيين. فالولايات الليبرالية (التي تسمى الولايات الزرقاء) مثل كاليفورنيا ونيويورك ونيوجيرزي ومساتشوستس وماريلاند وفرجينيا (التي تحولت للصف الديمقراطي منذ حوالي 30 سنة)، تصوت لصالح المرشحين الديمقراطيين. أم ولايات الجنوب المحافظة (الولايات الحمراء) مثل مسيسيبي وألاباما وجورجيا ونيفادا وتكساس وأريزونا، فتصوت تاريخيا لصالح المرشح الجمهوري، إلا في حالات نادرة جدا في الصفين. إذن لن يكون هناك جديد في ما ستؤول إليه الانتخابات في هذه الولايات.
ماذا يعني ذلك؟ هذا يعني أن هناك حفنة من الولايات الأميركية – الولايات المتأرجحة (Swing States) أو "الولايات ساحات المعارك" (Battleground States) التي لم تحسم نفسها تاريخيا لصالح هذا الحزب أو ذاك، وهي تتأرجح بين مرشحي الحزبين في كل انتخابات رئاسية منذ عشرات السنين. وهذه الولايات ليست هي نفسها في كل مرة وإنما تتكرر بين الفينة والأخرى، وهي بنسلفانيا، مشيغان، نورث كارولينا، ويسكونسن، فلوريدا، منيسوتا وأوهايو، وقد تضاف إليها ولايات أخرى كما حدث في بعض الانتخابات مثل إنديانا.
في نظام الهيئة الانتخابية الذي تستخدمه الولايات المتحدة لانتخاب رئيسها، يتم منح كل ولاية عددًا من الأصوات بناءً على عدد سكانها، وهو ما يساوي عدد ممثليها في مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين. وهناك إجمالي يبلغ 538 صوتا انتخابيا في ما يسمى بالكلية الانتخابية (435 صوتا هم عدد أعضاء مجلس النواب وتمنح لكل ولاية حسب عدد سكانها – كاليفورنيا (أكبر الولايات الأميركية من حيث اعدد السكان) عدد سكانها 40 مليونا وعدد ممثليها في الكونغرس 53؛ فيما ولاية ديلاوير (أصغر ولاية أميركية سكانا) عدد سكانها أقل قليلا من مليون وعدد ممثليها في الكونغرس 1 فقط. وهناك 100 صوت هم عدد أعضاء مجلس الشيوخ، إذ أن كل ولاية لديها عضوا مجلس شيوخ بغض النظر عن عدد السكان) إضافة إلى 3 أصوات تمنح لواشنطن العاصمة التي لا تحظى بصفة الولاية في النظام الأميركي). لذا يتعين على المرشح الوصول إلى 270 صوتًا للفوز، أي أكثر قليلا من نصف الـ 538 صوتا ليكون الفائز.
كما تظهر الخريطة أعلاه، فإن بعض الولايات التي تعتبر ولايات ساحة معركة لديها عدد أكبر بكثير من أصوات الكليات الانتخابية المعروضة مقارنة بغيرها، لذلك غالبًا ما يقضي المرشحون وقتًا أطول بكثير فيها تنظيم حملات انتخابية فيها.
لكن ساحة المعركة التي فاز فيها ترامب بجوائز كبيرة في 2016 هي التي ستثير قلق فريق حملته أكثر من غيرها. فقد كان هامش ربحه في ولايات أيوا وأوهايو وتكساس ما بين 8-10٪ في ذلك الوقت، لكنه يبدو أقرب بكثير من الـ 3 بالمئة في الوقت الحالي.
مع ذلك، من المؤكد أن أسواق المراهنات لا تشطب ترامب حتى الآن. تمنحه الاحتمالات الأخيرة فرصة الفوز بنسبة 50٪ في 3 نوفمبر، مما يشير إلى أن بعض الناس يتوقعون أن تتغير التوقعات كثيرًا خلال الأسابيع القليلة المقبلة.
لكن المحللين السياسيين أقل اقتناعًا بفرص إعادة انتخابه. يقول موقعFiveThirtyEight الإلكتروني للتحليل السياسي، إن بايدن هو "المفضل" للفوز في الانتخابات، بينما تقول صحيفة الإيكونوميست إنه "المرجح" للفوز في الانتخابات القادمة.
هل أثر فيروس كورونا على أرقام ترامب؟
سيطر وباء كورونا على عناوين الصحف في الولايات المتحدة منذ بداية العام، وانقسم الرد على تصرفات الرئيس ترامب بشكل متوقع على أسس حزبية، إلى حد كبير.
بلغ الدعم لنهجه ذروته في منتصف آذار/مارس بعد إعلان حالة الطوارئ الوطنية وتخصيص 50 مليار دولار للولايات لوقف انتشار الفيروس. في هذه المرحلة، كان ترامب يحظى بموافقة 55٪ من الأمريكيين على سياساته.
بحلول تموز/يوليو، تشير البيانات إلى أن أنصاره بدأوا في التشكيك في رده - ولكن كان هناك ارتفاع طفيف في نهاية آب/أغسطس.
هل يمكننا الوثوق في استطلاعات الرأي؟
من السهل رفض استطلاعات الرأي بالقول إنها أخطأت في توقع الفائز في انتخابات العام 2016، وترامب يقول ذلك تماما في كل مرة يسأل فيها عن استطلاعات الرأي التي تشير إلى تفوق خصمه بايدن عليه بنسب عالية.
ففي العام 2016 كانت هيلاري كلينتون تتقدم عليه في معظم استطلاعات الرأي الوطنية بفارق بضع نقاط مئوية، لكن هذا لا يعني أنها كانت مخطئة. فقد انتهت تلك الانتخابات بفوز كلينتون بثلاثة ملايين صوت شعبي عليه، ولكنه كان الفائز بسبب نظام الكلية الانتخابية الذي شرحته أعلاه.
الحقيقة أن شركات استطلاع الرأي واجهت بعض المشاكل في العام 2016 - لا سيما الفشل في تمثيل الناخبين بشكل صحيح في استطلاعاتها خصوصا لناحية آراء الأميركيين البيض غير الحاصلين على شهادة جامعية وهم الفئة الأكثر تأييدا لترامب في الانتخابات- مما يعني أن ميزة ترامب في بعض الولايات الرئيسية التي تمثل ساحة معركة لم يتم رصدها إلا في وقت متأخر من السباق، هذا إذا حدث ذلك أصلاً. ولكن هذه الشركات قامت بتصحيح هذا الخطأ الآن .
لكن في هذا العام، ومع ذلك، هناك حالة من عدم اليقين لا زالت تسود الولايات المتحدة أكثر من المعتاد بسبب جائحة فيروس كورونا وتأثيرها على كل من الاقتصاد وكيف سيصوت الناس في الانتخابات المقبلة. لذلك يجب قراءة جميع استطلاعات الرأي ببعض الشكوك، خاصة وأننا لا زلنا نبعد بـ 60 يوما طويلة عن يوم الانتخاب.
أميركا وشكل العلاقات الدولية وشكل التحالفات والتوازنات في منطقة الشرق الأوسط .
* دبلوماسي أمريكي سابق
** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دار الحياة