كتب جبران خليل جبران، في هجومه على الفساد داخل الكنيسة وعن مخاطر الانعزال في لبنان الكبير،"لكم لبنانكم ونحن لنا لبناننا".

مثل معظم اللبنانيين، نتألم نتيجة  للأزمات الإقليمية والوطنية الجارية حول قابلية لبنان التعددي للحياة، والذي تخنقه شبكة الفساد والعزلة الطائفية.

اقرأ ايضا: هل تلعب روسيا دوراً في حلحلة المحادثات الفلسطينية – الإسرائيلية؟

منذ ما يقرب من قرن من الزمان، دقت أصوات خليل جبران، وأمين الريحاني، وميخائيل نعمة، ناقوس الخطر حول كيفية طبخ الفرنسيون "لبنان الكبير" قبل أنطون سعادة، وقبل ساطع الحصري، وقسطنطين زريق، وعبدالله العلايلي، وعادل أرسلان الذين تبعتهم الأيديولوجيات القومية العربية. 

هم أرادوا للبنان أن يكون نموذجا للانفتاح وعاملا محفزا في البيئة العربية، غير معزول عن المنطقة، لكن بعد قرن من الزمان، بات تقوده أيديولوجيات انعزالية ضيقة الأفق، ومع شبكة الأزمات الإقليمية والوطنية، جاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإنقاذ نظام ينهار وغير قادر على التعامل مع الرفض الشعبي لكل ما يمثله.

الدور الفرنسي الحالي بعد قرن من إنشاء "لبنان الكبير" يقود جهدا دوليا (عبر دور رمزي)، لمحاولة إنقاذ معادلة الحكم في لبنان. كان الرئيس الفرنسي يبحث عن قضية لتوحيد كل اللبنانيين، لكنه اكتشف أن لا شيء يجمع اللبنانيين مثل صوت فيروز وحبها الروحي لـ "لبناننا ، و القدس ، ولقضايانا العادلة".

عندما لم يتمكن من تحديد "القواسم المشتركة" بين القادة السياسيين، كان كنزنا الوطني "فيروز" هو المنقذ ليس لصوتها الجميل فقط، بل هي السيدة التي تُغني بحب  من أجل العدالة، من أجل القدس، من أجل جمال لبنان، لقد غنت لدمشق، وغنت للجيش اللبناني ولحق العودة للفلسطينيين.

هذا الكنز اللبناني العظيم، هو فلسطينية سيريانية، ازدهرت في لبنان بقوة بارتباطها بعبقرية الرحبانية، لتظل أغانيها بمثابة بلسم مهدئ لنا جميعًا في مآسينا، لأنها تمثل بصدق الروح الحقيقية للبنان، ونعمة التعددية، والمشاركة في أفراح ومآسي المنطقة، وحب للبنان غير قابل للشك، وهو الحب الذي نحلم به جميعًا.

فيروز كفنانة، أظهرت بصدق ما هو لبنان، إنه رسالة الحب والعدالة والانخراط في حديقة التعددية الروحية. غنت من أجل لبنان، لكن  بأكبر من حدوده، "لبنان برسالة لنا جميعا".

اتيحت لي الفرصة للقاء فيروز عدة مرات في منزل جدي في برمانا، حيث كان الموسيقيون والفنانون يجتمعون مع عمي، جراح القلب علي مكساد، الذي كان أيضًا موسيقيًا. لن أنسى أبدًا تصريحًا أدلت به السيدة الخجولةعندما بدأ ضيفان يتجادلان حول قضية سياسية محلية، غضبت وتغلبت على خجلها وقالت: "اتركوه وشأنه، اتركوا لبنان وشأنه. لا تدمروا هذه الهدية من الجنة"، ثم غادر الجميع في صمت.

آمل أن نفهم قبل فوات الأوان، وأن نفكك النظام الذي لا يدمر نفسه فحسب، بل يمكن أن يدمر لبنان... لبناننا.

 

* إقتصادي لبناني مقيم في واشنطن