* عادل نعمان
(ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون، فسبح بحمد ربك وكن من الشاكرين)، والآية (والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم) هذا هو حكم القرآن فيمن يؤذى النبي قولا أو فعلا، لا قتلا ولا تمثيلا ولا ذبحا، فى حياته وبعد مماته، وهو ليس أمرًا للنبي فقط، بل هو حكم عام وشامل، والأمر من قبل ومن بعد لله. أما إخواننا الأفاضل فكانت فتواهم فيمن يسب النبي «مرتد وخارج عن الملة» يقتل «وإن استتاب» هذا هو الراجح عندهم، ولنأخذ بشيء من التفصيل.
أولا: إذا سب غير المسلم النبي وأسلم، فإن إسلامه يسقط عنه عقوبة القتل «لا يقتل» وإذا سب النبي وهو على دينه، كان عليه ما على المسلم من عقوبة.
اقرأ ايضا: ترامب ومعضلات الشرق الأوسط
ثانيا: «المسلم وغير المسلم» من سب الله سبحانه وتعالى يقتل، إلا إذا تاب واستتاب فلا يقتل، أما من سب النبي أو أساء إليه قولا أو فعلا أو عابه أو ألحق به نقصا فى نفسه أو دينه أو خصاله أو لعنه أو ادعى عليه أو تمنى مضرة له أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه وجلاله، يقتل حتى لو ندم وتاب، ولا تقبل منه توبة، وتكون توبته بينه وبين ربه، أجمع على هذا أهل العلم والأئمة وعلى رأسهم ابن تيمية ومالك وبن حنبل وإسحاق والفارس وغيرهم، (ملخص الحكم: من سب الله تعالى يقتل إلا إذا تاب ورجع عن هذا، أما من سب النبي يقتل حتى لو تاب ولا استتابة له «وسندهم فى هذا مرويات ظنية الدلالة، وربما كانت وربما لم تكن، ونسجها خيالهم، وتخطت وتجاوزت وألغت حكمًا قطعى الدلالة والثبوت فى القرآن، وهذه الروايات كالآتى:
حكاية «كعب بن الأشرف»: وهو أحد سادة اليهود الذين كانوا يسبون النبي ويسيئون إليه، وكما جاءت الرواية فى البخارى» بتصرف محدود «قال رسول الله (ص) من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله؟ فقام محمد بن سلمة وقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال له الرسول: نعم، قال فإذن لي أن أقول شيئا «أكذب عليه» قال له: قل، فلما أتى بن سلمة كعبا، قال له: إن هذا الرجل «يقصد محمدا» قد سألنا صدقة «يسألنا الصدقة، وإنه قد عنانا» أتعبنا، وإني قد أتيتك أستسلفك «يستلف منه مالا» هو وصحبه، فقال له: نعم، فلترهنوا نساءكم «يأخذهم رهائن» فقال: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب، فقال أرهنوني أبناءكم، قال: هذا عار علينا، لكن نرهنك اللأمة «السلاح» فواعده «إتفقا» أن يأتيه، فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة «أخو كعب من الرضاعة» وعمرو بن عبس، والحارث بن أوس، وعباد بن بشر، ونادى عليه، قالت له زوجته «لا تنزل إليهم اسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم» فقال لها «إن الكريم إذا دعى إلى طعنة بليل لأجاب» وكانوا قد اتفقوا على سحبه إلى مكان بعيد، والانقضاض عليه وقطع رأسه حين يتمكن منها بإشارة معينة، ولأن «كعبا» كان يستخدم من الطيب ما يميز رائحته الطيبة عند العرب، فكانت الإشارة أن يطلب أخوه في الرضاعة أن يشم طيب العطر فى رأسه، فلما انحنى له وتمكن منها، نادى رفاقه: دونكم فاقتلوه، وقتلوه ثم أتوا الرسول وأخبروه، فهلل المسلمون وكبروا، وفى رواية من الروايات قال لهم الرسول متسائلا: «أفلحت الوجوه؟» فقالوا: ووجهك يا رسول الله، وكبروا وهللوا، ورموا رأس «كعب» بين يديه.
حكاية مقتل «عصماء بنت مروان»: وقالوا إنها قرضت بعضا من الشعر ذمت فيه الرسول (ص) وأهله وعابت عليهم، ولم تذكر المصادر أبياتا فيها ذم مباشر للنبى، اللهم بعض الأشعار التي تلوم قبائل بنى مالك والنبيت وعوف والخزرج على طاعة الغرباء «المهاجرين» بعد قتلهم أشرافهم. وقد جاء في «سيرة بن هشام» فقال الرسول حين بلغه ذلك، ألا أخذ لى من ابنة مروان؟ فسمع ذلك «عمير بن عدى الحطمي» وكأن أعمى، فلما أمسى سرى عليها في بيتها وقتلها، ثم أصبح مع رسول الله وصلى الصبح، وقال له: إني قد قتلتها، فقال له الرسول: نصرت الله ورسوله ياعمرى، وللرواية عنف وقسوة غير معهودة عند العرب «وجاءت»: لما دخل عليها عمير ليلا أزاح أطفالها من حولها، ومن بينهم رضيعها الذى مازال منكبا على صدرها يرضع، فنحاه جانبا، وغرس السيف في صدرها حتى أنفذه من ظهرها، فلما سأل عن هذه القتلة، هل على في ذلك من شيء؟ فيرد الرسول «لا ينتطح فيها عنزان» لا يختلف عليها عنزان، رد بقبول ما تم ولا يختلف حوله أحد.
روايات وحكايات جاءت في كتب السير وكتب الأحاديث، تمثل خمسة وسبعين بالمائة من ديننا كما قالوا وتباهوا، منها متناقض مع القرآن، وما هو متناقض مع العقل والمنطق والقيم الإنسانية النبيلة، وهدى الأنبياء والرسل كما رأينا، وتلقفتها أياد باركتها ودعمتها، ونسخت «ألغت» بها حكما لله، وأصبحت تشريعا لقتل كل من يسيء للرسول شعرا أو رسوما كاريكاتيريا أو غيره، وللأسف هى صناعتنا وبضاعتنا، وما رسمه هذا التراث عن نبينا، وما تباهى به مشايخنا على المنابر، فلم اللوم على من جسد رواياتكم رسما أو شعرا؟ فمن أساء للرسول الراوي أم الناقل؟ هذه بضاعتكم ترد إليكم، ارفعوا هذا العنف من كتب التراث، وتبرأوا منه أو اعتذروا عنه.
* كاتب مصري وباحث فى تاريخ الجماعات الاسلامية عضو المجلس الأعلى للثقافة
** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"