* فيصل أبو خضرا
بداية، ووسط الظروف الحرجة التي يعيشها شعبنا والمحاولات المحمومة لتصفية قضيته، لا بد من القول أن من المحزن وحتى المبكي أن نؤكد أن شعبنا الفلسطيني سئم الخطابات والتصريحات المعسولة واللقاءات الكثيرة بدون الخروج من النفق المظلم للانقسام المخزي الذي يعاني منه شعبنا والذي ما زال ينخر في الجسد الفلسطيني وفي آمال هذا الشعب المناضل الصامد أمام أعتى احتلال شهده التاريخ القديم والمعاصر.
تابعنا بكل الاهتمام اجتماع الأمناء العامين لجميع الفصائل الفلسطينية في بيروت ورام الله، الذين تعهدوا للشعب الفلسطيني بإنهاء هذا الانفصال والذي ثبت أنه لا يخدم سوى مصلحة العدو الاسرائيلي. كما تابعنا باهتمام البيان رقم (١) الصادر عن القيادة الوطنية الموحدة للمقاومة الشعبية قبل حوالي شهرين.
اقرأ ايضا: شعبنا يسأل كل زعمائه: أين وصلت القضية بعد ٧٢ عاما على النكبة؟!
ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم حدثت تطورات متسارعة تستهدف شعبنا وحقوقه وقضيته حيث أوغلت إسرائيل في ممارساتها خاصة تكثيف وتوسيع الاستيطان وبناء المزيد من المستعمرات، وما تخلل ذلك من مواقف أميركية عدة أُعلنت تباعا لدعم إسرائيل وتفوقها العسكري وشرعنة استيطانها ومحاولة تجسيد الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل وغيره من التطورات، دون أن نسمع أو نرى أي تحرك جدي من قبل الفصائل لمواجهة ذلك باستثناء البيانات المعهودة للإدانة والاستنكار.
وهنا يُطرح السؤال: ألا يستحق كل تطور من هذه التطورات الخطيرة وقفة جادة أو على الأقل إصدار البيان الثاني للقيادة الموحدة لتجسيد هذا الرفض الفلسطيني عبر تحرك شعبي حتى يسمع العالم أجمع الصوت الفلسطيني الحقيقي؟! بل إن السؤال الأهم هو: لماذا تأخر صدور البيان الثاني حتى الان؟!
وللأسف فإنه بعد انتعاش الآمال بأسابيع بقينا نراوح في نفس المكان. وهنا لا بد من القول أن من العيب أن يضع أي فصيل العصى في دولاب إنهاء الانفصال، خصوصا ما نسمعه من بعض زعامات حماس أمثال الدكتور محمود الزهار عندما يغرد خارج ما تعلنه حماس من توافق مع الفصائل على مخرجات واقعية للمصالحة.
الشعب الفلسطيني يدرك جيدا أن من الصعوبة بمكان أن يتفق الفصيلان الرئيسيان تماما على مخرجات توافقية لإنهاء الانفصال، لأن كل فصيل له استراتيجية مختلفة عن الآخر وأهم هذه الاختلافات أن فتح لها استراتيجية تحقيق السلام بعد موافقتها على القرار ٢٤٢ للعام ١٩٦٧م، ومبادرة السلام العربية، أي انسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ حزيران عام ٦٧، أي القبول بدولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس على ٢٢ بالمائة من أرض فلسطين التاريخية بتأييد عربي واسلامي وعالمي، وحل قضية اللاجئين بموجب القرارات الدولية، أما فصيلي حماس والجهاد فإنهما لا زالا يرفعان شعار تحرير فلسطين التاريخية، رغم ما قيل ويقال عن اتفاقات التهدئة والمفاوضات غير المباشرة بين حماس وإسرائيل. كما أن فتح ترى أن بعدها الاستراتيجي هو العالم العربي، أما حماس والجهاد فبعدهما الاستراتيجي مرتبط بأطراف إقليمية مثل إيران التي هي أيضا عدو للعرب .
ومن العيب كل العيب أن تجتمع هذه الفصائل، ويُعلن التوافق فيما بينها، منذ شهرين ثم لا يُطبق شيء مما اتفقت عليه بينما ينتظر هذا الشعب الذي يكتوي بنيران الاحتلال ونيران الانقسام من زعماءه تطبيق ما أعلنوه بل ينتظر البيان الثاني والثالث والرابع لغاية دحر الاحتلال وانتزاع الاستقلال من هذا العدو الغاصب العنصري الذي لم يترك موبقة إلا وارتكبها ضد الشعب الفلسطيني، وبالمقابل نرى هذه الزعامات ما زالت تمارس هواية إصدار البيانات والخطابات الجوفاء التي لا يأبه لها الاحتلال ولا تقدم أو تؤخر.
لقد صبر الشعب الفلسطيني كثيرا ولم يعد يحتمل هذه المهازل من قبل هذه الفصائل التي باتت تعيش في واد بينما الواقع يتجه نحو واد مختلف تماما.
وهنا أرى أن على السلطة الوطنية بقيادة الأخ الرئيس محمود عباس أن تضع حدا لهذه المهزلة وأن تصارح شعبنا بحقيقة العقبات التي تضعها بعض الفصائل أمام المصالحة وأن تمضي قدما بحشد أكبر قدر من الإجماع الوطني حول برنامج وطني عاجل لمواجهة كل التحديات الماثلة أمامنا، فلا يعقل أن تظل الساحة الفلسطينية رهينة لارتباطات هذا القصيل أو ذاك بهذه القوة الإقليمية أو تلك سواء إيران أو غيرها ممن تضع مصالحها فوق المصلحة الفلسطينية والعربية.
كما ان من العيب كل العيب ان ننتقد الاخرين قبل ان نصلح الصدوع في بيتنا الداخلي وقبل ان نثبت للعالم أجمع أن أقوالنا مطابقة لممارساتنا وإننا لا نكتفي بالشعارات والبيانات .
حان الوقت كي ننظر إلى الواقع الذي نعيشه ونلتفت إلى التحديات التي تواجه شعبنا وقضيته، وعلى كل الفصائل أن تدرك ان الحرية والاستقلال لن يتحققا باستمرار تكرار نفس البيانات أو التسابق أمام الكاميرات للإدلاء بتصريحات دون رصيد، وعليها أن تدرك أيضا أن استمرار المراوحة المكانية يعني مزيدا من التراجع وهدم جميع المكتسبات التي حققتها نضال شعبنا عبر عقود بثورته الفلسطينية المعاصرة و سلطته الوطنية. والأهم أن على هذه الفصائل أن تدرك أيضا أن صبر شعبنا له حدود وأن هذا الشعب العظيم الصابر المناضل يستحق ما هو أفضل من البقاء في مستنقع الانقسام ومهزلة الاتفاقات التي لا تُطبق.. والله المستعان.
* عضو المجلس الوطني الفلسطيني
** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"