لا شك أن الشعب الفلسطيني خاب أمله جراء عدم تحقيق المصالحة الفلسطينية، بعد أن اتضح أن الفصائل التي وقعت على البيان الأول بعد اجتماع الأمناء العامين للفصائل قبل شهور الذي تحدث عن الوحدة وحشد جهود الفصائل لمقاومة المحتل، مازالت تتمرس  في المربع الأول!

ومن الغريب أن يخرج علينا بعض القادة وأن يعلنوا أن الاجتماعات التي تمت في تركيا وقطر و بيروت وأخيرا في القاهرة كانت إيجابية، وهي نفس النغمة التي سمعناها على مدى سنوات طويلة وبعد كل لقاء من تلك السلسلة اللامتناهية من مثل هذه اللقاءات، وكأن الاجتماعات البعيدة عن الوطن هي الي تجلب المصالحة.

اقرأ ايضا: الشعب الفلسطيني لن يتخلى عن أرضه وحقوقه الشرعية

منذ الانقلاب الحمساوي وانفصال قطاع غزة عن باقي الوطن خلافا للإجماع الوطني الذي طالما حرم الاقتتال الفلسطيني الداخلي وأكد وحدة الأراضي الفلسطينية وهو ما أرسته منظمة التحرير في اتفاق اوسلو مع العدو الاسرائيلي بأن جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام ١٩٦٧م هي ولاية جغرافية واحدة لا يمكن تجزأتها، نذكر بأنه في العام ٢٠٠٧ عقد اجتماع مصالحة بدعوة من المملكة السعودية في مكة المكرمة وانتهت الاجتماعات باتفاق لإنهاء الخلافات واعادة الوحدة وحلف الفصيلان فتح وحماس يمينا لا رجعة عنه قرب أستار الكعبة المشرفة بأن الانفصال انتهى،  وبعد أن عاد كل فريق إلى الوطن المحتل كانت النتيجة فراقا لغاية يومنا هذا.

 وقد أصبح لدى أبناء الشعب الفلسطيني قناعة بأن  من الصعب جدا أن ينهي الفصيلان هذا الانفصال، والسبب أن كل فصيل له نظرة تختلف عن نظرة الاخر في سياسته، فمنظمة التحرير الفلسطينية لها نظرة واقعية لإنهاء الاحتلال، وهي النضال من أجل تطبيق القرارات الدولية خصوصا قرارات مجلس الأمن ومنظمة الأمم المتحدة،  كما تعتبر المنظمة عمقها الاستراتيجي هو العمق العربي . أما حماس والجهاد فلهما سياسة مختلفة ، أي رفع شعارات التحرير من النهر إلى البحر وعدم الانصياع للقرارات الدولية ، كما أن عمقهما الاستراتيجي إيران، وهاتان نقطتا خلافا رئيسيتان وغيرهما الكثير، لذلك من المستحيل الاتفاق.

ومع احترامنا لرؤية حماس التحريرية وهي عدم الاعتراف بإسرائيل، وهذا من حقهم أما السياسة التي تقول التحرير الآن من النهر إلى البحر، فهذا وهم في الوقت الحاضر، نظرا لعدة عوامل رئيسية في مقدمتها معارضة المجتمع الدولي بأسره لمثل هذا التوجه عدا عن اختلال ميزان القوى.  هذا يعني أن حماس  بتمسكها بهذا الموقف لا تريد ‘نهاء الانفصال.

لكن اذا استطعنا الاتفاق على تنفيذ القرارات الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية أي الانسحاب من الأراضي المحتلة عام ٦٧ بما فيها القدس الشرقية عاصمتنا وعودة اللاجئين فهذا سيشكل انتصارا لنا لأن صمود ووجود الفلسطيني على أرضه من أهم الانجازات، وصحيح أننا تحت الاحتلال ولكن مع الزمن لا بد ان ننتصر.

حسن جدا ما قرره الأخ الرئيس محمود عباس بإعادة الاتصالات مع الجانب الإسرائيلي انطلاقا من مصالح الشعب الفلسطيني واستنادا إلى الاتفاقات الموقعة وخصوصا دفع اسرائيل للمستحقات الضريبية للسلطة الفلسطينية لخدمة الشعب الفلسطيني، ولكن هذا لا يعني اسدال الستار على محادثات إنهاء الانفصال. فنحن نذكر أن مثل هذه المحادثات كانت مستمرة أيضا في ظل تواصل العلاقات مع إسرائيل، أي أن إعادة العلاقات لا يمكن أن يشكل ذريعة لتوقف محادثات المصالحة.

طبعا الشعب الفلسطيني وقيادته يدركان جيدا أن إسرائيل لا تلتزم بما توقع عليه، ولكن لا بد لنا من العودة الى الواقع لأننا ما زلنا تحت الاحتلال، ويجب ادراك هذا الواقع المؤلم، عدا عما حدث من تطورات في مقدمتها هزيمة سيء الذكر دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأميركية وفوز جو بايدن، الذي في الوقت الذي لا يمكن الرهان عليه إلا ان فرصا جديدة ستفتح أمام الجانب الفلسطيني، الذي اذا ما اتخذ بايدن بعض الخطوات الإيجابية فإن من الضروري مطالبته بإرساء هذه الخطوات عبر قوانين يسنها الكونغرس حتى لا يتم التراجع عنها مستقبلا.

ومن الواضح ان الفصائل التي تعارض اتفاقية اوسلو وتعارض قرار إعادة العلاقات  ليس لديها اي خطة واقعية لتحرير شبر واحد من الوطن، وكأن اتفاقية اوسلو هي العقبة الحقيقية أمام تحرير الوطن، والسؤال الذي يطرح هنا: ما الذي حققته سياسة حماس والجهاد التي ترفض اوسلو وترفض الارادة الدولية؟

لكن هذا لا يعني ابدا أن يستسلم الشعب الفلسطيني لإرادة المحتل، أو القبول بالانتقاص من الحقوق الفلسطينية، ولكن تمسكنا بالقرارات الدولية وهي انسحاب المحتل من جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام ١٩٦٧م والتمسك بحق العودة لجميع اللاجئين إلى ديارهم الأصلية يزيد الضغوط على هذا الاحتلال ويقربنا من إنهائه، أما من يعتقد أن الصواريخ أو المقذوفات محدودة القدرات يمكن أن تحرر الوطن فالشواهد ماثلة أمامنا منذ ٢٠٠٦ وحتى اليوم حيث كان رد الاحتلال دوما على ذلك إيقاع أكبر قدر من الدمار في قطاع غزة وتشديد حصاره عبر تدمير البنى التحتية وتدمير عشرات الاف المنازل عدا عن الاف الضحايا وغالبيتهم من المدنيين، والى الدرجة التي دفعت حماس الى التفاوض مع اسرائيل بشكل غير مباشر لإدخال المساعدات الى قطاع غزة وإلى عقد هدنة مقابل بعض التسهيلات الإسرائيلية.

الشعب الفلسطيني كان أمله كبيرا في الاتفاقات التي تمت كمخرجات لمؤتمر الأمناء العامين - رام الله/بيروت- والحديث عن  تفعيل مقاومة شعبية حقيقية حتى انتزاع الحرية، ولكن مع الأسف فشلت جميع هذه الاجتماعات ولم يتحقق من بيانها شيء والنتيجة هي صفر كبير، لذلك ليس لنا الا العودة للواقع والتمسك بالقرارات الدولية.

ولتذكير الذين يغردون ضد اتفاق اوسلو نقول أن هذا الاتفاق نال فقط ٦١ صوتا في الكنيست  من أصل ١٢٠، كما  تعرض رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحق رابين للاغتيال من قبل اليمين الاسرائيلي الذي استشعر  مخاطر الاتفاق على نهجه التوسعي الاستيطاني وعلى حلم إسرائيل الكبرى، كما اصبح حزب العمل  على هامش السياسة الاسرائيلية وأصبح اليمين هو المسيطر على سياسة اسرائيل.

وفي احدى تصريحات القائد الرمز ابو عمار رحمة الله، قال أمام الشقيقة المناضلة سلوى ابو خضرا، بأن تنفيذ اتفاقية اوسلو ليس بالعمل السهل، لربما لتنفيذ اتفاقية اوسلو لا بد ان تكون هماك مقاومة شرسة، ليست سياسية فقط فقط..."

إن الاخ المناضل الرئيس ابو مازن كان واقعيا إلى أبعد الحدود، لكن مع الأسف فإن قرار التحلل من الاتفاقيات الموقعة وقطع كل علاقة بالاحتلال  يبقى موضع جدل حول مدى خدمته للقضية، فهناك من مارس الضغوط ممن تغلب عليهم العاطفة أو يصدقون بأن حماس والفصائل التي تدور في فلكها قد تعود الى الواقع أن كان دوليا أو عربيا وتنهي هذ الانفصال إذا اتخذ مثل ذلك القرار بدون وضع شروط تعجيزية تبعدنا عن القرار التاريخي في العام ١٩٨٨م الصادر عن المجلس الوطني الفلسطيني بالإجماع في الجزائر بشأن الاستقلال، وهناك من يرى على ضوء فشل جهود المصالحة حتى الآن ان ذلك القرار كان خاطئا وان اعتراف المجتمع الدولي بفلسطين مرتبط بالاتفاقيات الموقعة والأسس والمرجعيات التي قامت عليها بما فيها القرار ٢٤٢ الصادر عن مجلس الأمن وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره على ترابه الوطني واقامة دولته المستقلة.

 ومن الواضح أن القيادة الفلسطينية وعلى رأسها الأخ الرئيس محمود عباس ورغم كل ما يقال عن قرار عودة الاتصالات بإسرائيل  لم ولن تحيد ابدا عن الثوابت الفلسطينية التي أرستها قرارات المجلس الوطني الفلسطيني ولا عن الحقوق الثابتة والمشروعة لشعبنا والتي يعترف بها المجتمع الدولي.

ونقول هنا مجددا كفى ثم كفى تصرفات ومواقف من بعض الفصائل التي تبعدنا عن حشد كل الجهود للتقدم نحو الاستقلال من اجل اجندات خارجية لا تضع بالاعتبار المصالح العليا للشعب الفلسطيني.

 شعبنا الفلسطيني يطلب ويكرر الطلب بإنهاء هذا الانفصال والعودة الى الحقيقة والواقع وفرض الصوت الفلسطيني الواحد في كل المحافل الدولية وعلى اساس الشرعية الدولية واستنادا لدعم المجتمع الدولي لشعبنا وقضيته بموجب قراراته لمصلحة القضية ولمصلحة كل فلسطيني... والله المستعان

 

* عضو المجلس الوطني الفلسطيني

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"