واشنطن - دار الحياة
كثيرة هى آراء الخبراء وتقييمهم للأوضاع في الشرق الأوسط، أو توقعاتهم لمآلاتها، لكن نادرا ما يُنصت العالم للعلماء، وكيف يرون واقعنا، وما تقديراتهم للمستقبل؟
اقرأ ايضا: الصحة العالمية: جائحة كورونا ليست الأخيرة والأوبئة أمر واقع
تلك الحقيقة التفت إليها الخبيران في معهد "بروكينغز" في واشنطن، هما البروفسور شبلي تلحمي، أستاذ العلوم السياسية والاجتماعية في جامعة ميريلاند، والبروفسور مارك لينش، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، فعكفا على إجراء استطلاع نادر لرأي العلماء من ذوي الخبرة الفائقة في الشرق الأوسط، حيث حددا 1293 عالما، في العلوم السياسية وغيرها، وفقا لضوابط ومعايير مُحددة.
ويرى الباحثان أن هذا الاستطلاع يُمكن أن يساعد إدارة الرئيس جو بايدن، على فهم حقائق الشرق الأوسط كما يراها علماء المنطقة، خصوصا أن الإدارة الجديدة ألمحت إلى أنها ستستمع إلى الخبراء لتجنب الكوارث، مثل حرب العراق عام 2003.
وقال الباحثان إنه في غضون ثلاثة أيام، وافق 521 باحثا على المشاركة في الاستطلاع، مقسمين بالتساوي تقريبا بين علماء السياسة والعلماء غير السياسيين، علما بأن الباحثين طرحا على العلماء أسئلة وصفية، وليس ما يعتقدون أنه يجب أن يحدث، أو ربما سيحدث، في الشرق الأوسط، حيث طلب المسح تقييمهم للمنطقة كما هي موجودة حاليا وقد تكون موجودة بعد عقد من الزمان، وليس ما يفضلونه بشأن النتائج أو السياسات.
القضية الفلسطينية.. دولة الأبارتهايد
ويقول الباحثان إن النتيجة الأكثر وضوحا للمسح ربما تكون التقييم الجماعي للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، فأغلبية كبيرة من الخبراء المستطلعين، أو 59٪ منهم، تصف الواقع الحالي لإسرائيل والفلسطينيين بأنه واقع دولة واحدة أقرب إلى الفصل العنصري، فيما يرى 7٪ آخرون أنه "واقع دولة واحدة مع عدم مساواة ، ولكن ليس شبيهًا بالفصل العنصري"، ويصف 2٪ فقط الوضع بأنه احتلال إسرائيلي مؤقت للضفة الغربية وقطاع غزة، فيما يراه 30٪ "احتلالا شبه دائم من قبل إسرائيل".
وفي حين أن إدارة بايدن ستسعى على الأرجح لبدء الدبلوماسية ، فإن الخبراء لا يقدمون سوى أملا ضئيلا جدا لتحقيق حل الدولتين.
وقال الباحثان: "في الاستطلاع الذي أجريناه، قال 52٪ إن مثل هذه النتيجة لم تعد ممكنة، بينما رأى 42٪ أنها غير محتملة خلال السنوات العشر المقبلة. وفقط 6٪ يعتبرون ذلك محتملاً خلال العقد القادم".
ويقول الباحثان تلحمي ولينش، إن هذه التوقعات قاتمة، لأنه بدون احتمال وجود دولتين منفصلتين، إسرائيل منفصلة وفلسطين منفصلة، يتوقع 77٪ من الخبراء المستطلعين ، رؤية واقع الدولة الواحدة الأقرب إلى الفصل العنصري، بينما يتوقع 17٪ أخرى واقع الدولة الواحدة مع تزايد عدم المساواة، ولكن ليس أقرب إلى الفصل العنصري، بينما يتوقع 1٪ فقط رؤية دولة ثنائية القومية تتمتع بحقوق متساوية للجميع.
إيران والصفقة النووية: هل تعود الولايات المتحدة للاتفاق ؟
وفيما يخص القضية المثارة حاليا بخصوص إحياء الاتفاق النووي، وعودة واشنطن إلى الاتفاق، يعتقد العلماء، أن عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي الإيراني، ستُقلل من احتمال حصول إيران على سلاح نووي خلال العقد المقبل، وهذا ما يقوله 75٪ من المشاركين في الاستطلاع.
كما أن 21٪ يقولون إن العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، (الاتفاق النووي الإيراني)، لن تحدث فرقا حقيقيا، وفقط 2٪ يقولون إن عودة الولايات المتحدة للاتفاق، ستجعل إيران أقرب لامتلاك القنبلة النووية.
وعارضت أغلبية ساحقة من العلماء، أي عمل عسكري ضد إيران أو استمرار سياسة "الضغوط القصوى" التي فرضتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب.
وشرح الباحثان، أن الانقسام الأساسي بين المستطلعين كان حول التكتيكات، حيث قال 67 في المائة إن عودة الولايات المتحدة على الفور إلى الاتفاق النووي الإيراني، قبل معالجة القضايا الأخرى من شأنها أن تخدم المصالح الأميركية بشكل أفضل، بينما يفضل 23 في المائة التفاوض أولاً على صفقة كبرى بما في ذلك الصواريخ الباليستية والسياسات الإقليمية بالتوافق مع الحلفاء مثل إسرائيل والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.
هل مات الربيع العربي؟
وعن الربيع العربي، الذي هز المنطقة منذ بداية العام 2011، ومصيره بعد عقد من الزمن، يعتقد غالبية العلماء والخبراء أن الانتفاضات لا تزال نشطة، ويتوقع 30٪ موجة أخرى من الاحتجاجات الجماهيرية خلال العقد المقبل، بينما يقول 46٪ منهم إن الانتفاضات لا تزال مستمرة بأشكال مختلفة، ويعتقد 7٪ فقط أن الانتفاضات ولت وانتهت، بينما يرى 17٪ أنها لن تتكرر على الأرجح لمدة عقد على الأقل.
وقال تلحمي ولينش، إن 54٪ من العلماء، تعتقد أن هذه الانتفاضات كان لها تأثير كبير، لكنه ليس تحويليا، فيما يرى 29٪ أن الربيع العربي "كان انتفاضات تحولية"، و 17٪ اعتبروا أنها اضطرابات مؤقتة مع القليل من التأثير على المدى الطويل.
دور أمريكا في المنطقة
وبخصوص الدور الأمريكي المرتقب في المنطقة، رأي 3 % فقط من العلماء أن الولايات المتحدة أقوى في الشرق الأوسط اليوم مقارنة بما كانت عليه قبل عشر سنوات، بينما يعتقد 75٪ أن الولايات المتحدة أصبحت أضعف في وجودها بالشرق الأوسط مما كانت عليه.
وينظر 38٪ فقط من العلماء، إلى الولايات المتحدة على أنها القوة الخارجية الوحيدة المهيمنة في المنطقة، فيما يعتبر 8٪ فقط، أن المنطقة منقسمة على أساسة معادلة "ثنائية القطبية" (أمريكا وروسيا)، كما كان عليه الحال إبان الحرب الباردة.
وهناك أغلبية طفيفة (54٪) تنظر إلى المنطقة على أنها متعددة القطبية، بمعنى تعرضها لتنافس القوى العظمى على النفوذ والسلطة.
ويتوقع 10٪ فقط أن تصبح الولايات المتحدة أقوى (في تواجدها في المنطقة) بعد عقد من الآن، فيما يستشرف 48٪ من العلماء أن تكون الولايات المتحدة أضعف خلال عقد من الزمان، بينما يتوقع 41٪ أن تكون كما هي الآن تقريبا.