لاشك أن قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبومازن) بإرجاء عقد إنتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني ، وربط إجرائها بموافقة إسرائيلية على مشاركة المقدسيين في الإنتخابات،  لم يكن مفاجأة للكثيرين من متابعي الشأن الفلسطيني. 

ومنذ أن أعلن الرئيس الفلسطيني عن دعوته لإجراء الإنتخابات، وهناك قوى فلسطينية تحمل جنسيات أجنبية،  تتحرك بنشاط في الساحة الدولية  محذرة المجتمع الدولي من أن الإنتخابات الفلسطينية ستفرز قوى متشددة ومتطرفة في إشارة إلى حركة حماس، التي ماتزال مصنفة كحركة إرهابية في الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك في بعض دول الإتحاد الأوروبي.

اقرأ ايضا: حول الانتخابات الإلكترونية للمجلس الوطني

وساقت هذه القوى الحجج والبراهين لتعزز من مخاوف الغرب من إحتمال إكتساح حركة حماس الإنتخابات للمرة الثانية وبالتالي  ستتصدر المشهد الفلسطيني، الأمر الذي سينعكس سلباً على عملية السلام والإستقرار والأمن في المنطقة، ويمكن أن يحدث إضطرابات ويهدد إسرائيل ..إلخ

ولقد حاول الرئيس الفلسطيني في مطلع الشهر الجاري مقابلة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وذلك  خلال زيارته القصيرة  إلى العاصمة الألمانية برلين من أجل إجراء فحوص طبية، لكن ميركل إعتذرت وأرسلت مندوبا عنها إلتقى الرئيس عباس، وأبلغه تمنيات المستشارة الألمانية له بالصحة، وأنها تعرب عن أملها بعقد إنتخابات نزيهة وشفافة لشعبه.  

لايملك أحد أن يزاود على الرئيس الفلسطيني في قضية القدس وضرورة مشاركة أبنائها في الإنتخابات، فهي بالنسبة لكافة الفلسطينيين  خط أحمر لايمكن تجاوزه، وبالتالي فإن قرار تأجيله للإنتخابات بسبب غياب تمثيل المقدسيين أمر مقنع، ويمكن تمريره بسهولة، لكن الذي إستوقفني هو عدم  التمهل في إتخاذه  لقرارالتأجيل، دون محاولة بذل أي مجهود  في بحث سبل أخرى من أجل إيجاد حلا لهذه المعضلة، فلقد ذكر عضو اللجنة المركزية لحركة فتح حسين الشيخ "أن مسؤولين إسرائيليين أبلغوه شفهيا بأنهم لن يوافقوا على إجراء إنتخابات في القدس"، وتلقف الرئيس عباس هذه الرواية بعجالة وكأنه كان ينتظرها، فاتخذ قرار التأجيل بدون أن يضع سقفا زمنيا محددا، راهنا الأمر على موافقة إسرائيلية نعلم جميعا أنها لم ولن تأت .

كان الأجدر به ( أبومازن) أن يتخذ موقفاً جريئا، بإعلانه إستمرار الإنتخابات التشريعية، وفي القدس تحديداً، وفي حال منعت إسرائيل المقدسيين من ممارسة العملية الإنتخابية، فهذا سيكشف للعالم كله عن وجهها العنصري، وسيحطم المقولة الإسرائيلية بأنها"واحة للديمقراطية في المنطقة" ، بل وسيحرج إسرائيل أمام كل من يساندها دولياً، وفي الوقت ذاته سيعزز من ثقة وصمود الشعب الفلسطيني.

القناعة السائدة لدى الأغلبية أن الرجل ليس لديه بالفعل نية حقيقية  لإنجاز هذا  الإستحقاق الدستوري لكنه اضطر للإعلان عنه مرغما، ومكرها إستجابة لضغوط من الإتحاد الأوروبي الذي يدعم السلطة الفلسطينية مالياً ، وبالرغم  من أن الإنتخابات  حق للفلسطينيين لايتفضل عليه أحد، فإن معارضة أبومازن هي تغول في السلطة لايجوز القبول به، ولاسيما وأن عقد الإنتخابات بات أمرا حيويا لابد منه في ظل عدم إنعقادها  منذ عام 2006.

لايخفى على أحد أن إستطلاعات الرأي الموضوعية ( ليست التي تروج لها السلطة) كانت تظهر أن قائمة حركة فتح الإنتخابية لن تحقق النتائج المرجوة والتي تتطلع إليها، ومن ثم فإن عقد الإنتخابات مجازفة كبيرة ليست في صالح الرئيس الفلسطيني ومنظومته، لذلك كان لابد من شطب هذا الإستحقاق الوطني تماما، وإلى أجل غير مسمى، ولتكن قضية القدس هي الذريعة التي يمكن تسويقها حتى لو الشارع الفلسطيني غير مقتنع بها ، فالسلطة إعتادت على الإستخفاف بالمواطنين، لدرجة أنه أصبح هناك شبه حالة إنفصام بين المواطن والسلطة، كل في واد!   

لكن السؤال الذي يلح عليَ هو مالذي دفع الرئيس عباس باتجاه عقد الإنتخابات وبقوة في عام 2006 رغم علمه المسبق أن حركة فتح ستخسر الأغلبية  في المجلس التشريعي، وبالرغم من تحذيرات كثيرة أرسلت إليه مفادها أن حركة حماس ستفوز باكتساح !؟

أذكر جيدا قبيل عقد الإنتخابات التشريعية بفترة وجيزة في عام 2006، أجريت مقابلة مع  السيد روحي فتوح رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني آنذاك (وهو اليوم عضو في  اللجنة مركزية في حركة فتح) ، قال لي: نحن نعلم بأننا سنخسر الإنتخابات " خلي حماس تشيل عنا هذا الهم الكبير"! 

فهل هذا يدلل على أن إنتخابات عام 2006 كانت جزءا من تخطيط مسبق تمهيدا للإنقسام الذي وقع في عام 2007  والذي مستمر إلى يومنا هذا؟! الأمر الذي دفعت بسببه القضية الفلسطينية ثمنا باهضا وما تزال، والذي تسبب كذلك في خنق حوالي 2 مليون فلسطيني في قطاع غزه، بسبب الحصار الغير الإنساني الذي فرض عليهم، ونتج عنه ظروف معيشية قاسية ومآسي وتدهور إقتصادي غير مسبوق، ناهيك عن الحروب الثلاثة التي شنتها إسرائيل على غزة  خلال ثمانية أعوام فقط!

ومنذ بدايات الإنقسام، وعلى مدار هذه الأعوام عقدت  العشرات من جلسات الحوار بين الحركتين فتح، وحماس ، لكنها لم تثمر شيئا، لدرجة أن الشعب الفلسطيني لم يعد يتابعها، وكأن  الأمر لايعنيه ، لعلمه أن هذه اللقاءات لن ينتج عنها مصالحة فعلية .

ومازلت أذكر رئيس الإستخبارات المصرية الأسبق اللواء عمر سليمان (الله يرحمه) عندما لخص لي الموقف بعبارة نصها" لاتوجد نية صادقة ولا إرادة حقيقية لدى الجانبين"   !

قضية أخرى أثارت دهشتي، عندما علمت أن  أبومازن رفض طلبا للقيادي الفلسطيني البارز في حركة فتح والمعتقل في السجون الإسرائيلية مروان البرغوثي، بأن يكون مرشح الحركة الرسمي في إنتخابات الرئاسة ، وكان البرغوثي قد طرح ذلك الأمر على حسين الشيخ خلال لقاء قريب عقد بينهما ، لكن أبو مازن لم يوافق!؟

لقد إنتهت ولاية الرئيس الفلسطيني منذ عام 2010، لكنه مازال في السلطة إلى يومنا هذا، بالطبع هو لن يخوض إنتخابات الرئاسة، فعقد الإنتخابات الرئاسية مسألة مستبعدة،  كانت، ولكنها اليوم أصبحت  غير مطروحة  على الإطلاق، بالرغم من أن عقد الإنتخابات التشريعية والرئاسية بات ضرورة ملحة ، فأحوال الفلسطينيين في الضفة الغربية لاتسر بسبب ترهل أجهزة السلطة وانتشار الفساد والمحسوبية والواسطة ، والفلسطيني أصبح يعيش أجواء العوز والحرمان والخوف، الأمر الذي يستنفذ قواه ويضعف قدرته على المقاومة، ناهيك على أن معظم قيادات المقاومة والمحسوبين عليهم من الذين يمكن أن يدفعوا بحراك قوي  باتجاه الإنتفاضة، إما معتقلين أو مستهدفين أو يخضعون لرقابة مشددة.

وأخيرا ألا يستحق الشعب الفلسطني بتاريخه النضالي العريق أن يزيح جمهورية الموز هذه المحسوبة عليه والجاثمة فوق صدره، وألا يحق له أن يختار بملء إرادته قيادة وطنية جديدة تمثله وتعبر عنه وتحقق مصالحه، فتعيد البوصلة إلى وجهتها الصحيحة.