إذا كنا نعيش في أنبوب اختبار اسمه الشرق الأوسط منذ عدة عقود وتحديدا منذ الحرب العالمية الاولى فإن من المنطق أن نصبح خبراء بكل التفاعلات والعناصر التي تدخل في أي قضية.. ولذلك فإن تضخيم قضية أسلحة الدمار الشامل العراقية إلى حد الأسطورة كان يعني أن العراق سيتم اغتياله.. وعندما تم تضخيم الخلاف بين الحريري وسوريا كان من الواضح أن هناك عملية اغتيال لسورية عبر قصة اسلحة دمار شامل أخرى.. وكان اغتيال الحريري هو القصة الموازية تماما لأسلحة الدمار الشامل العراقية ولها قوة الذريعة ذاتها .. الجيش الأمريكي كان مستعدا لإستئناف الحرب ضد سوريا بذريعة الحريري ولكنه فضل لاعتبارات سياسية أن يدفع بإسرائيل للقيام بالمهمة، عندما انسحب السوريون من لبنان وسحب ذريعة الحريري فظهرت محكمة الحريري وهي نفس لعبة التفتيش المديد ولسنوات عن أسلحة الدمار الشامل التي أسرت العراق لسنوات قبل اسقاطه.

 اللعبة بنفس التكتيك جرت في العراق  ولكن السيناريو كان مختلف، حيث خضع لسنوات عدة لتفتيش تحت ذريعة اخفاء أسلحة الدمار الشامل.. وفي ذريعة قتل الحريري وبعدها محكمة كأنها سنوات التفتيش على أسلحة دمار شامل.. ولم يكن الامريكي قادرا على الانتظار فهو مستعجل لبناء الشرق الاوسط.. فقرر تكليف اسرائيل بإنهاء المهمة لأن الأمريكي أراد أن يبدو أنه ليس من هواة الحروب بعد أن أحرجته حرب العراق قليلًا..

اقرأ ايضا: اللواء مروان مصطفى يكتب : نسور الحضارة اصبحت أمُ المناورات

هذا يعني أن من حقنا دومًا أن نسأل عن توقيت تحريك السفينة اليونانية لتتحرش بلبنان ؟!

يبدو من الواضح أن الحرب الاوكرانية لا تسير كما توقعت أمريكا والتي ظنت أن الروس سيبدأون بالانهيار اقتصاديا بعد الشهرين الأوليين وعندها سيأتي دور الحساب وإنهاء دور الغاز الروسي في اقتصاد أوروبا لأن روسيا ستجد نفسها في فخ وكمين ، و لن تتمكن من التخلص  منه بسهولة إلا بثمن باهظ 

أوكرانيا تقترب منها الهزيمة الماحقة، فالشرق الاوكراني سقط منها كما خططت موسكو ولأن الجيش الأوكراني تم تحطيمه.

ولقد اعترفت اوكرانيا بأن الحرب كلفتها 10 آلاف مقاتل وهذا يعني أن الرقم الحقيقي أكبر من ذلك بكثير كما أن الذين تم إخراجهم من الحرب كجرحى ومفقودين وأسرى أضعاف ذلك وهذا يعني ان 50% من القوة البشرية تم تحييدها فيما أن السلاح الأوكراني احترق بنسبة تزيد عن 70%..

لم تعد أمريكا قادرة على الرهان على حرب أوكرانيا.. ولكن مشكلة الغاز لم تحل ويبدو أن علماء بوتين يتوقعون ويتنبؤون بأن الشتاء القادم في أوروبا سيكون شتاء سيبيريا عنيفا ولن ينقذها من الجليد السيبيري إلا الغاز الروسي... ومن الصعب القبول بهذه الهزيمة المنكرة التي ستحول بوتين الى أيقونة عالمية وقد يغري ذلك بوتين بدخول كل أوكرانيا أو تأديب فنلندة او السويد أو بولندا .. ولذلك فإن الحل هو الحصول على الغاز من شرق المتوسط الذي ستتولاه إسرائيل.. ولتحقيق ذلك يجب كسر عقدة حزب الله وسوريا وارغام محور إيران على تسليم شواطئ المتوسط لسيطرة اسرائيل كي يمر الغاز الاسرائيلي نحو تركيا وأوروبا.. وهذا سيغني أوروبا عن مرورالأراضي السورية لمرور غاز قطر لأن اسقاط سوريا صار مستحيلًا.. والحل الوحيد هو تأمين الساحل الشرقي للمتوسط لتمرير غاز اسرائيل (الغاز الفلسطيني المسروق) .. نحو أوروبا ولو عبر البحر أو نقله بالسفن إلى تركيا أو اليونان ثم نقله بالأنابيب الى أوروبا وهذا يعني أن الرحلة البحرية من المتوسط إلى اليونان قد تستغرق ساعات أو يومين بدلا من رحلة بحرية من الخليج إلى المتوسط التي ستستغرق أسبوعين .. وهذا سيطيل فترة النقل وسيزيد من كلفتها جدًا ولا يحل المشكلة الاوروبية.. وإذا نجح مشروع نقل الغاز من المتوسط إلى أوروبا فسيصبح بوتين وكأنه وضع أقدامه في الفراغ بكسب حرب أوكرانيا وسوريا لأن غاز روسيا سيموت أو سيتعفن في آباره لأنه لن يمر إلى الأسواق وسيحل محله الغاز الاسرائيلي وغاز شرق المتوسط.. ومن هنا نفهم لماذا تماطل أمريكا في توقيع الاتفاق النووي الايراني حيث أنها تنتظر نتيجة معركة الغاز شرق المتوسط التي ستحدد مصير روسيا وإيران.. ومن ثم سوريا وحلفاءها ومصير الصراع العربي الاسرائيلي كله..

بوتين وحلفاؤه كانوا يتوقعون وربما ينتظرون الخطوة الغربية.. ولذلك كان الروس قد دعوا وفدا من حزب الله منذ أشهر قليلة إلى الكرملين وتلا ذلك دعوة للرئيس الايراني إلى موسكو ثم زيارة عاجلة لوزير الدفاع الروسي إلى دمشق للقاء الأسد في الأيام الاولى لحرب اوكرانيا.. ويبدو هذا كله تنبؤ لحركة أمريكية إسرائيلية شرق المتوسط لإنقاذ انبوب الغاز الاسرائيلي.. ولذلك وصلت سفينة استخراج الغاز اليونانية الاسرائيلية الى حقول غاز لبنان وهي تريد أن تثبت معادلة مفادها ان اسرائيل وأمريكا ستمرران الغاز وهما مستعدتان للحرب .. .. بل وتريدانها وتسعيان إليها فيما يبدي الطرف الآخر صبرا فوق حدود طاقة التحمل على التحرشات الاسرائيلية انتظارا لمعركة مصيرية مدمرة سيصب فيها كل ذخيرته وكل ما ادخره من صبر لسحق المشروع الأمريكي الاسرائيلي..

أنبوب الاختبار المشرقي سينفجر بلا شك.. ولكن انفجاره هذه المرة ليس ككل مرة.. لأن طرفي النزاع سيستميتان في حرب البقاء وصراع البقاء.. فانتصار مشروع الغاز الاسرائيلي سيهزم روسيا ومن بعدها ايران وسوريا.. وحرمان أوروبا وأمريكا من بديل الغاز الروسي سيجعل الازمة الاقتصادية الاوروبية عميقة للغاية وتهدد حتى استقرار أوروبا وعلاقتها بأمريكا والناتو.. وهذا ما سيدفع محور روسيا كله نحو صعود كبير في العالم على حساب الغرب كله ..

إن مصير العالم بيد هذه المنطقة .. وبيد محور المقاومة بالذات وسيكون حزب الله رأس الحربة فيها .. ولكن لاشك أن مصير إسرائيل أيضا سيتحدد في هذه المعركة التي ان خسرتها فإنها ستخسر وظيفتها ومهمتها التي وجدت لأجلها.. وعندما تنتهي الحاجة لها فإن مبرر وجودها ومنطقيته ستتراجعان .. وكما انتهت داعش عندما فشلت في مهمتها فإن داعش بني اسرائيل ستنتهي عندما تلحق بها نكسة كبيرة وتفشل في تحقيق أهم مهمة لها منذ ولادتها .. أنها بالنسبة إليها أم المعارك الإسرائيلية.

* كاتب سوري مقيم في كندا

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "الحياة واشنطن"