مر عام على عزل الجيش السوداني حكومة رئيس الوزراء السابق الدكتور عبد الله حمدوك، التي تم تشكيلها وفقا لاتفاق بين المدنيين والعسكريين في اغسطس من العام 2019، وما زال السودان تتفاقم معاناته جراء عدم التوافق بين المدنيين والعسكريين.
واندلعت أول أمس احتجاجات في الخرطوم في ذكرى مرور عام على ما تراه المعارضة المدنية "انقلابا"، وسقط قتيل واحد على الأقل وعشرات الجرحى في تظاهرات أمس، علما بأن الاحتجاجات متواصلة على مدار العام ما شل اقتصاد البلد، وفاقم أزمة الاقتصاد المتردي أصلا، حتى صار تأمين السودانيين قوت يومهم أمرا ليس يسيرا.
وفيما تبحث الأمم المتحدة، والاتحاد الافريقي، ومنظمة "الإيغاد" عبر آلية ثلاثية، في صيغة توافق بين المدنيين والعسكريين، صعدت وزارة الداخلية السودانية من لهجتها ضد المتظاهرين أمس، وقالت إن بينهم مسلحين، ووصل بها الأمر إلى طلب منحها سلطات لاتخاذ تدابير استثنائية بحق المتظاهرين لحفظ أمن البلاد.
وفي وقت يؤكد قائد الجيش رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، أن القوات المسلحة تزهد في الحُكم، يرهن تسليم السلطة بتوافق المدنيين، علما بأن هذا الأمر غير متاح عمليا، إذ أن قطاعا لا يستهان به من المدنيين، وخصوصا الجماعات المسلحة التي وقعت اتفاقات سلام مع السلطة، يتحالف مع الجيش ويرفض تسليم المعارضة المدنية الحُكم، علما بأن حلفاء الجيش من المدنيين احتفظوا بمناصبهم في الحُكم، بحجة عدم مخالفة نصوص اتفاق جوبا للسلام، الذي عادوا بموجبه إلى السودان، وأوقفوا الحروب من الجيش في دارفور (شرقا) وكردفان والنيل الأزرق (جنوبا).
وتأتي تلك التجاذبات السياسية، وسط اقتتال قبلي دام في عدة مناطق في السودان، إذ قُتل نحو 300 شخص في اشتباكات قبلية في ولاية النيل الأزرق (جنوبا)، ووصل الأمر حد اقتحام غاضبين من القبائل المقتتلة مقرات للجيش والاستيلاء على سلحة خفيفة ومتوسطة، وإحراق مقر الحكومة الاقليمية.
وفيما الساحة الداخلية تموج بالخلافات السياسية والاقتتال الأهلي وتؤرقها الأزمة الاقتصادية، يواجه قادة الجيش ضغوطا خارجية غير مسبوقة، فالولايات المتحدة، أكدت على لسان وزير خارجيتها أنتوني بلينكن، أنها تدعم تولي حكومة مدنية مقاليد الأمور في السودان، وطالب العسكريين بإنهاء استيلائهم على السلطة، وشدد على أنه لن يتم الإفراج عن أي مساعدات مالية قبل تنفيذ الانتقال الديمقراطي، وهو الموقف ذاته الذي أعلنه ممثل السياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل.
وانتهز إسلاميو السودان فرصة هذا التردي الذي أصاب البلاد بعدما أطاحت بهم الثورة الشعبية في العام 2019، عن الحُكم، وأظهروا تأييدا للقوات المسلحة، ضد المعارضة المدنية، وبدا أن قادة الجيش وجدوا في التيار الإسلامي ضالتهم في تأمين ظهير شعبي داعم لهم، فأطلقت قادتهم من السجون، التي قبعوا بها منذ عزل عمر البشير في ابريل من العام 2019.
ودخل حزب "المؤتمر الوطني"، الذي تم حله بعد الثورة، على خط الأزمة السياسية بقوة، بدعوة زعيمه وزير الخارجية السوداني الأسبق ابراهيم غندور، منسوبي التيار الإسلامي، إلى التواجد في الشارع باستمرر و "انتزاع حقوقهم بأيديهم".
وأطلق غندور من محبسه قبل شهور، وقال عبر حساباته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، مُخاطبا منسوبي التيار الإسلامي: "أخرجوا لتقيموا العدل وتخلصوا بلادنا من العمالة والبيع".
وفيما تتلاشى عملا فرص توافق المدنيين فيما بينهم، أو مع العسكريين، يبقى السودان مفتوحا على جميع الخيارات، وأحلاها مُر.