لم يترك الاحتلال الإسرائيلي منذ النكبة في العام 1948، أي طريق للاستيلاء على أراضي القدس المحتلة، إلا وسلكه، من هدم المنازل، وطرد السكان، إلى مصادرة الأراضي، وبناء المستوطنات، وحفر الأنفاق تحت المسجد الأقصى والبلدة القديمة، كلها سبل هدفها واحد: تهويد القدس.
84 عاما عكف فيها الاحتلال الإسرائيلي على نزع الهوية الإسلامية والمسيحية للمدينة المقدسة، لكن تلك المحاولات تواجه مقاومة صلبة من سكان القدس، خط الدفاع الأول عن تلك البقعة المباركة، مهد الديانات والرسل.
المقدسيون يقاومون محاولات التهويد بالصمود والتصدي وفضح ممارسات الاحتلال، الذي بدا أنه فقد صوابه أو لم يعد يجد ممانعة دولية واقليمية لانتهاكاته، لينفرد بالمقدسيين ويعيث في الأرض فسادا، حتى بلغ من الغي مبلغه، فبعدما أتى بكل باطل واستولى على كل حق، راح يأتي بما لا يصدقه عقل.
إنها "القبور الوهمية"، حيلة الاحتلال الإسرائيلي الجديدة للاستيلاء على كل ما هو أرض فضاء في القدس، وخصوصا في حي سلوان، جنوب المسجد الأقصى، الذي يواجه منذ عشرات السنين هجمة استيطانية شرسة، وبالأخص منطقة "وادي حلوة" التي تعتبر على مرمى حجر من المسجد المبارك، والتي لا تبعد عنه سوى عشرات الأمتار.
القصة تبدأ حين فوجئ سكان الحي، حسب شهود عيان، بآليات للاحتلال تعمل في منطقة فضاء في "وادي حلوة" ببلدة سلوان، المتاخمة للمسجد الأقصى، والتي تعتبر ممر بين بيوت المنطقة العتيقة.
الأمر بدأ بالحفر، وشق طرق بدائية لتقطيع أواصل المنطقة، في محاولة لمنع السكان من المرور عبرها، ثم ردم ما تم حفره بتراب أحمر، وأخيرا رص حجارة متجاورة على هذا التراب، فيما يُشبه شواهد القبور.
المشهد لا يصدق. هل حقا سينشأ الاحتلال مقبرة بلا موتى؟، لم تمر أيام إلا وتحول الخيال إلى حقيقة. ثبت الاحتلال كاميرات المراقبة حول قطعة الأرض، ووضع لافتة كُتب عليها: "مقبرة سمبوسكي. ممنوع الاعتداء عليها أو إلقاء القمامة".
هنا تحول الهزل إلى جد، أو ربما الجد إلى هزل، فالسكان الذين كانوا يتندرون على ما يفعله الاحتلال الإسرائيلي بقوة السلاح، باتوا أمام أمر واقع بأن مقبرة يهودية وهمية زُرعت وسط أراضيهم ومساكنهم، والقادم أسوأ، لكن هذا السيناريو الكارثي نفسه أصبح مادة للسخرية من تصرفات احتلال استيطاني وصل به الأمر إلى زرع مقبرة وهمية، ضمن محاولاته التي لم تتوقف على مدى عقود لـ "تزوير تاريخ" محفور في وجدان المقدسيين قبل أن يكون محفورا على شواهد قبورهم التي تضم رفاتهم، والذي لا يمكن طمسه بـ "مقبرة وهمية"، زًرعت تحت قوة السلاح بتراب ودفن فيها سراب.