"مرحبًا.. أنا دعاء عمار، أعيش في غزة، حيث تحلق الطائرات الحربية فوق رؤوسنا، وتقتلنا بصواريخها واحدًا تلوا الآخر".. هكذا عرفت المواطنة الفلسطينية هويتها باختصار، إذ يلاحقها الموت أينما ذهبت في مدينتها المنكوبة "غزة"، حيث تقضي يومها بدون أدنى وسائل للحياة، من طعام وماء وكهرباء.

"احكولنا شيء يعطينا أمل".. كلمات دونتها دعاء، عبر صفحتها الشخصية على فيسبوك، بعدما عادت الكهرباء وتمكنت من إيصال هاتفها بالشاحن، حيث تتواصل من خلاله مع العالم، وتطلع على آخر مستجدات ما يُفكر به العدو، الذي يعد جيشه للغزو البري مع القصف الجوي. لتكن الحرب على القطاع برًا وبحرًا وجوا.

اقرأ ايضا: أبو عبيدة لعائلات الأسرى الإسرائيليين: حكومتكم تصر على إعادة أبنائكم في توابيت

ومنذ بدء القصف، أخذت دعاء تتنقل مع أبنائها وأسرتها من منزل لآخر، بسبب هدم العقار الذي كانت تسكن به إثر هجمات الصورايخ الشرسة، وهو ما حملها عبء أنهك طاقتها، ورغم ذلك مازالت تحاول الاختباء من الموت، الذي يحوم حولها كل ثانية.

"كيف تقضون يومكم في هذه الظروف؟".. أجابت دعاء هل هذا السؤال بالقول: "صباح الخير.. مازلنا أحياء. هذه بحد ذاتها نعمة، حياة طويلة أشبه بالخيال تحت كل هذا القصف، الأمر مرعب لن أكذب.. لكن قلوبنا معلقة بالتسبيح والدعاء، واستلهام النعم في هذا الجحيم".

صحيح الوضع صعب جدًا "مافي مي ولا كهربا والأكل قليل جدًا، بنحاول نوفر للأطفال، والكبار بيتحملوا الجوع معظم الوقت، إذا في نت بنتابع الأخبار، إذا ما في نت بندعي ونحكي لحد ما يمر اليوم. ما بننام تقريبًا معظم الليل بندعي ربنا وبنواسي بعض".

الليل ثقيل جدًا بطيء جدًا بسبب القصف وأصواته المرتفعه، كأنه قلبك هيخرج من صدرك خوف ورعب، لكن بنحاول نثبت بقراءة القرآن والأدعية.

وتضيف: "لما تشوف حتى لو شفت كل شيء مش زي لما تعيشه، لما تشوف صاروخ نازل عالتلفزيون مش لما تسمع صوت الطيران الحربي وتسمع إطلاق الصاروخ منها وتترقب وين هيروح وينزل جنب البيت ويهتز البيت كله كأنه هيوقع". 

مع كل صاروخ كان الواحد بيموت ألف مرة. مع قلة الأكل والمية الناس عارفة ده. لكن حياتك العادية أبسط شيء فيها بيصبح مهم، كاسة المي لما تكون باردة ونظيفة مش زي لما تشرب بس لأنه مافي غيرها. لو حد من الأولاد جاي على باله بطاطس مقلية وأنت مش قادر رغم بساطة الطلب تلبيه. 

لما حد يستشهد من قرايبك وأنت مش قادر أبسط شيء تواسيه لأن الجوالات خطوطها سيئة والشبكة مش شغالة، أو أن الطرق مدمرة مش قادر توصله، يعني حتى إنك تعيش الحزن بشكل إنساني أخدوه منا.

ربما تعدون الصواريخ التي تهبط علينا لكن لا تشعرون بما نشعر مع كل واحد منها، ربما تقاطعون (ستاربكس) لكننا نبحث عن قطرة الماء. قاطعتم (كنتاكي) لكن الأطفال يبكون ويشتهون قطعة بطاطس مقلية وللأسف قد لا نستطيع تلبية ذلك رغم بساطته.

نحن منذ أيام حتى لم نتوضأ ولم تمس بشرتنا المياه. كثير ممن فقدناهم لم نتمكن من الحزن عليهم كما يجب لكثرة من فقدنا، لم نتمكن من مواساة الأحياء لأن الطرق مهدمة والوصول صعب.. ماذا يمكن أن أقول أكثر؟.

يسألنا الناس كيفكم طمنونا عنكم.. نجيب بخير، أي مازلنا أحياء. لا خير إلا أنه قدر الله واختياره ونسأل الله كل يوم الثبات لعقولنا وقلوبنا من هول ما نرى ونسمع. لست ألومكم، لكني أخبركم أن تقدروا يومكم العادي، حياتكم البسيطة الهادئة، ابذلوا وسعكم في فعل أي شيء تقدرون عليه لإيصال صوتنا، بالغوا في الدعاء لنا بالصبر، والثبات.

بالأمس اضطررنا للمرة الثانية للنزوح من بيت لآخر تحت تهديد القصف، مشينا من منطقة لأخرى مع عائلات فيهم الضعيف والمريض وصاحب الإعاقة، سمعنا بكاء طفلة.. عادت شقيقتي لها تسأل عن الخبر، فإذا بالطفلة تبكي وجع قدميها لأنها لم تتمكن من ارتداء حذاء.

بلا تفكير نزعت شقيقتي "شيماء" (شبشبها) ومنحته للطفلة، وسارت بقية الطريق حافية على الزجاج وبقايا الحجارة والمسامير وما لا نعلم تحت جنح الظلام. بالكاد وصلنا وجهتنا نحاول الاطمئنان على بعضنا وعلى قدم شيماء، من لطف الله لم يكن بها خدش واحد، وها نحن من جديد نؤمن أن ما نفعله رغم مشقته وانهاكه لنا لكنه أخذ بالأسباب، ولا حارس كالأجل.

جدير بالذكر أن وزارة الصحة الفلسطينية، أعلنت مساء اليوم الخميس، ارتفاع عدد الشهداء جراء العدوان الإسرائيلي الشامل والمتواصل في قطاع غزة والضفة الغربية إلى 3859 شهيدًا، وارتفاع عدد الجرحى إلى نحو 13500 جريح.

وأوضحت الوزارة، في بيان صحفي مقتضب، أن أكثر من 3785 شهيدًا ارتقوا في القطاع، بينما أصيب أكثر من 12 ألف جريح.

أما في الضفة الغربية، فارتقى 74 شهيدًا، آخرهم خمسة شهداء في مخيم نور شمس بطولكرم، فيما ارتفع عدد الجرحى إلى أكثر من 1300 جريح.