شهدت الساحة السياسية السودانية انفجار أزمة حادة داخل التحالف المؤيد للجيش، كشفت عنها تسريبات صحافية أزاحت الستار عن "صراع مكتوم" بين الحركات المسلحة الموالية للجيش، المعروفة باسم "القوات المشتركة"، وقيادة الجيش نفسها. 

ويتركز جوهر الخلاف حول عزم رئيس الوزراء المعين حديثًا بدعم من الجيش كامل إدريس، على إعادة هيكلة الحكومة المزمع تشكيلها ومراجعة نسب المشاركة الوزارية، وهو ما قوبل برفض قاطع من "القوات المشتركة".

اقرأ ايضا: البرهان يتعهد بإجراء انتخابات نزيهة وعدم انزلاق السودان نحو الفوضى

وظلت هذه التوترات تتراكم في كواليس بورتسودان، المقر المؤقت للحكومة المدعومة من الجيش، لكنها تصاعدت بشكل علني عقب قرار رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، بتعيين الموظف الأممي السابق كامل إدريس رئيسًا للوزراء. اللافت أن هذا التعيين تم دون مشاورة مسبقة مع حلفاء الجيش من الحركات المسلحة.

وسارع إدريس بعد أدائه اليمين الدستورية؛ بحل الحكومة القائمة وتكليف وكلاء الوزارات والأمناء العامين بتسيير الأعمال. شمل قرار الحل وزراء "اتفاقية جوبا لسلام السودان" المبرمة في أكتوبر 2020، وهو ما أثار غضبًا مكتومًا تحول إلى علني داخل صفوف "القوات المشتركة". 

وتفجرت الأزمة بشكل كامل إثر إعلان إدريس اعتزامه تشكيل حكومة "تكنوقراط غير حزبية"، وهو ما يعني بالضرورة إعادة النظر في أنصبة مكونات التحالف الحاكم، الأمر الذي ترفضه "القوات المشتركة" بشدة، معتبرة إياه مساسًا بمكتسباتها.

وتعد اتفاقية جوبا لسلام السودان حجر الزاوية في مطالب "القوات المشتركة"؛ فقد نصت موادها (4 و5 و6) على تمثيل أطراف العملية السلمية بثلاثة أعضاء في مجلس السيادة، وخمس وزارات تعادل 25 بالمائة من مجلس الوزراء، و75 مقعدًا في المجلس التشريعي الانتقالي، أي 25 بالمائة من جملة أعضاء المجلس.

بناءً على هذه الاتفاقية، شغل رئيس "حركة العدل والمساواة" جبريل إبراهيم منصب وزير المالية، وعُين رئيس "حركة تحرير السودان" مني أركو مناوي حاكمًا لإقليم دارفور، بالإضافة إلى وزارتين أخريين. وعندما أقال البرهان وزراء "الحرية والتغيير" في أكتوبر 2021، أبقى على وزراء اتفاقية السلام، ما عزز من حضور هذه الحركات في المشهد السياسي.

عند اندلاع الحرب بين الجيش و"قوات الدعم السريع" في 15 أبريل 2023، التزمت الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقية السلام الحياد في البداية. إلا أنه وبعد أكثر من ستة أشهر، أعلنت "القوات المشتركة" انحيازها للجيش والقتال إلى جانبه، وهو ما يُعتقد أنه رجّح كفة الجيش عسكريًا.

ظلّت "القوات المشتركة" تقاتل بجانب الجيش مع احتفاظها بمناصبها الوزارية والدستورية. لكن مع تقدم الجيش في معاركه وإخراجه "قوات الدعم السريع" من مناطق وسط البلاد بما في ذلك العاصمة الخرطوم، ارتفعت حدة التنافس على السلطة. دخلت أطراف جديدة، ساهمت في "هزيمة" "قوات الدعم السريع"، مثل "درع الشمال" بقيادة أبو عاقلة كيكل و"كتائب البراء بن مالك" التابعة للإسلاميين. بدأت هذه الأطراف "تهمس" بمطالبها في الحصول على نصيب من السلطة، وهو ما يعني بالضرورة تقليص الأنصبة القديمة.

بدأت أجهزة الدعاية السياسية الموالية للجيش بتوجيه مدفعيتها نحو "القوات المشتركة"، مطالبة بإبعادها إلى دارفور، لكن هذه المطالبات بقيت في نطاق "المناوشات" على منصات التواصل الاجتماعي.

ثم خرج الأمر إلى العلن بشكل مفاجئ مع تسريبات صحافية زعمت أن "المشتركة" ترفض حل الحكومة وتتمسك بوزاراتها، بل واتهمتها "بالانسحاب" من ميادين القتال دون مبرر، بذريعة حسم ملف الحقائب الوزارية قبل القضايا الميدانية. ويتهم موالون للحكومة في بورتسودان "القوات المشتركة" بممارسة "الابتزاز" للحفاظ على مكاسبها، والتشكيك في دوافعها الوطنية للقتال، مدعين أنها تهدف لضمان بقائها في السلطة.

في المقابل، لا تخفي "القوات المشتركة" تمسكها بمكتسباتها المستحقة بموجب اتفاقية جوبا. حيث أكد قيادي عسكري لـ"الشرق الأوسط" تمسكهم بسلطتهم، مشددًا على أن مناصبهم "حق أصيل" لن يتخلوا عنه لأي سبب، حتى لو استدعى ذلك "تمردهم" أو "التحالف" مع قوات "الدعم السريع" – وهو تصريح يحمل دلالات خطيرة على مستقبل التحالف.

وعبر الأمين السياسي لحركة "العدل والمساواة" معتصم أحمد صالح، عن رفضه القاطع لهذه الحملة، مشيرًا إلى أن اتهام اتفاق السلام بـ"المحاصصة الإثنية" يتجاهل كونه "ثمرة نضال طويل من أجل العدالة والمساواة". 

ووصف صالح تصوير تمسكهم بوزاراتهم بأنه "ابتزاز سياسي" بأنه "قراءة مغلوطة ومتحيزة" تهدف للنيل من مشروعهم وتكريس هيمنة الدولة المركزية، وحرمان "قوى الهامش" من الشراكة في صنع القرار. 

واعتبر ذلك محاولة لإلغاء اتفاقية السلام و"تلويحًا بالحرب"، محذرًا من أنه "دعوة لهدم ما تبقى من الاستقرار".

بدوره، وصف المتحدث باسم "حركة تحرير السودان" الصادق النور، ما يحدث بأنه "دائرة سوداء" داخل مؤسسات الدولة تسعى لـ"دق إسفين" بين مكونات التحالف المناهض لـ"قوات الدعم السريع"، داعيًا الدولة لتطبيق القانون لمواجهة التسريبات.

في ظل هذه التوترات، تجري مشاورات مكثفة في الكواليس لتهدئة الأوضاع. وقد ألمح وزير المالية، جبريل إبراهيم، في مقابلة تلفزيونية إلى إمكانية أن يبدأ رئيس الوزراء باعتماد وزراء السلام، بالإضافة إلى وزيري الدفاع والداخلية اللذين يقع تعيينهما بيد الجيش. 

كما كشفت صحيفة "سودان تريبيون" عن اجتماعات مكثفة بين مني أركو مناوي وقائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، لبحث "مصير الشراكة السياسية"، حيث أكد مناوي أن تقاسم السلطة "بلا معنى ما لم تحسم الشراكة".

ويتوقع بعض المحللين أن يتجه البرهان لتقديم تنازلات في سبيل الحفاظ على التماسك، مثل الموافقة على إبقاء وزارتي المالية والتعدين ضمن حصة شركاء جوبا في الحكومة المقبلة. إذا حدث ذلك، فإنه سيقلب خطط رئيس الوزراء بتشكيل حكومة تكنوقراط غير حزبية رأسًا على عقب، وقد يحدد مسار التحالف برمته في ظل هذه الأزمة المتصاعدة