في الأسابيع القليلة الماضية من أزمة تفشي جائحة كورونا الحالية، لاحظت، وربما لاحظتم معي، انتشارا مكثفا وذا رتابة غير ملغزة، لبعض مقاطع الفيديو والرسائل الإعلامية الأخرى على وسائل التواصل الاجتماعي في العالم وتحديدا في المنطقة العربية، ربما وصل بعضها إلى وسائل الإعلام التقليدية أيضا في بعض الدول في المنطقة، تحمل محتوى دعائيا مقصودا ومدروسا وبعيد الأمد ملخصه لا تخطئه حتى العين المجردة: لقد عجزت دول عظمى متقدمة في هذه الأزمة عجزا شنيعا، وفي مقدمها الولايات المتحدة وإسبانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا وغيرها، فيما أبلت دول أخرى من معسكر آخر، مثل الصين وروسيا بلاء حسنا. الترجمة البسيطة، إنما التي لا تخفى حتى على البسطاء، على ما آمل هي: فشلت الدول الديمقراطية الليبرالية فشلا مجلجلا في اختبار عظيم، وفي المقابل نجحت أنظمة استبدادية شمولية في هذا الاختبار نجاحا ما سواه نجاح! هذه رسالة منمقة، شديدة الخبث، موجهة بعناية وحذر عميقين، وتقف وراءها أجهزة ومليشيات إلكترونية تعرف ما تقوم به وتمارسه قبل الأزمة وهي تمارسه بصورة أكثر، بعدها. ولعل اللافت أيضا أن هذه الرسالة تأتي في وقت مختار بعناية فائقة: وقت أزمة عالمية لا سابق لها، ترتخي فيها أعصابنا المسؤولة عادة عن مراقبة تسلل الرسائل الموجهة والمعلومات المضللة إلى نظام وعينا الجمعي، وقت الخوف الجمعي الذي نعيشه كلنا الآن، حين نصبح أكثر استعدادا لتلقي الرسائل التي قد نعتبرها موجهة ومقصودة في الأوقات الاعتيادية.
فضاء الإنترنت العربي، بما في ذلك الأكثر شهرة منها كالفيسبوك وتويتر وإنستاغرام، وخصوصا الأكثر شعبية وشيوعا منها بين الجماهير العربية، الواتساب، مكتظ بصورة شنيعة بمجاميع ومقاطع المعلومات المغلوطة، والمعلومات غير الموثقة والمعلومات المزيفة، والمعلومات المضللة بصورة واضحة، وغيرها من الاشتطاطات التي لا أجدها في فضاءات الإنترنت غير العربية حسب ما اطلعت عليه من دراسات وأبحاث، وهو ما يثير الانزعاج بصورة غير مسبوقة. وإذ أنني عدت منذ فترة قصيرة نسبيا إلى المنطقة العربية بعد أن أمضيت ما يقرب من 40 عاما من العيش والعمل في الولايات المتحدة، فإن هذه الظاهرة تزعجني على الصعيد الشخصي أيما انزعاج، انزعاج قد يصل إلى حد أن ردودي أصبحت عنيفة بصورة لا تميزني عادة على مروجي مثل هذه المعلومات، حتى من أعز أصدقائي وأحبهم إلي. سبب انزعاجي واضح وهو أنني أمقت تزوير الوعي العربي المزور في غالبه أصلا، وأعتقد أن هذا سيفاقم وسيديم أزمة الثقافة العربية التي هي في وقت احتضار في أفضل الأحيان! ثقافة هذه المنطقة، وللأسف الشديد، بحيرة راكدة من الثقافة القديمة، غير المواكبة لما يحدث في العالم، تجتر نفسها وتعيد تدوير نفسها يوما بعد يوم وسنة بعد سنة بصورة صادمة. وما يثير القلق أكثر في وضع الثقافة العربية الحالي هو أن هذه الثقافة، التي تميز هذه المنطقة منذ عقود، هي التي ستحدد، كما ثقافات الشعوب الأخرى على الكوكب، مسار وتطور هذه المجموعة البشرية لفترة غير قصيرة قادمة: حسب اليونيسكو، تترجم المنطقة العربية كلها التي يبلغ عددا ما يزيد عن 300 مليون نسمة ما لا يزيد عن 475 كتابا سنويا، فيما تترجم إسبانيا التي لا يزيد عدد سكانها عن 46 مليونا أكثر مما ترجمه العرب منذ عهد الخليفة العباسي المأمون!!
طوفان من مقاطع الفيديو المزيفة، المفبركة، أو المسروقة من سياقها، تجتاح فضاء الإنترنت العربي حاليا – لا أقلها ذاك الفيديو الذي يحمل شعار شبكة سي أن أن بصورة مفبركة عن سوبرماركت في مكان ما يفترض أن يكون في الولايات المتحدة يجتاحه الأميركيون كقطيع من البقر لسرقة كل ما وقعت عليه أيديهم من سلع بوحشية لا مثيل لها، كل ذلك لإظهار ومحاولة ترسيخ فكرة أن الأميركيين "شعب همجي" وأن أميركا جائعة وهي على وشك الانهيار كقوة عظمى. أو ذاك الذي يظهر ردهة في مستشفى، غير مسمى وإنما يراد الاعتقاد منه بأنه مستشفى أميركي، ألقيت فيه الجثث وكأنك أمام مشهد لمسلخ خراف مقزز في بلد نام! وهناك مقطع صوتي لذاك الذي يدعي أنه يعيش في ولاية فلوريدا، حيث قال إنه يستغيث بأبناء جلدته الأردنيين ليهبوا لنجدته حيث يقبع محجورا في شقته مع زوجته وأولاده الأربعة – وكلهم حسب المقطع مصابون بالكورونا – ويتصلون بالسلطات الصحية والشرطة الأميركية في الولاية، ولكن ما من مجيب!!
وهناك الكثير، الكثير من هذه وغيرها من المقاطع الفيديوية والصوتية والمعلوماتية الأخرى التي تحمل الرسالة نفسها. وفي المقابل، ترى فيديوهات تصلك سريعا – بعد أو قبل المقاطع السابقة - وتصور طائرات صينية أو روسية تنزل حمولتها في دول أوروبية تحمل المواد الطبية والأطباء وغيرهم من المهنيين الطبيين الذين أتوا لمساعدة إخوتهم في الإنسانية في القارة الأوروبية. يا للإنسانية! المزعج في الموضوع أن كثيرين في هذه المنطقة – ولندرة المعلومات المفيدة على الإنترنت العربي – يبادرون وبدون وعي إلى تمرير ونشر هذه المقاطع الفيديوية والصوتية وغيرها، من دون أي تمحيص ولا أي محاكمة عقلية أو منطقية - مئات المرات وآلافها، ليصبح هذا الفيديو أو المقطع الصوتي منتشرا على هواتف ملايين العرب. ثم يبدأ هؤلاء أنفسهم بتكرار نشر هذه الفيديوهات والمقاطع الصوتية في مجالسهم على أنها حقائق لا يأتيها الشك من يمينها أو يسارها! وتصبح هذه المعلومات وبسرعة في عالم اليوم جزءا من الثقافة الجمعية العربيةّ يا للويل!!
وهناك فيديوهات ومقاطع صوتية مشابهة تتعرض لما يحدث في دول أوروبية متقدمة جدا كإيطاليا وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا. الرسالة ذاتها: أميركا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا وفرنسا وبقية العالم الغربي الديمقراطي الليبرالي انهار انهيارا مجلجلا وانكشفت عورته انكشافا لا يمكن ستره!! وفي المقابل، فإن ما كان يروج لها أن تكون دولا شمولية واستبدادية ولاديمقراطية، كروسيا والصين، هي الدول الحقيقية التي كافحت المرض ودحرته واستعادت عافيتها بسرعة، وعادت بسرعة لتمد يدها للعالم لمساعدته في التغلب على هذه الكارثة الإنسانية، التي انطلقت أصلا منها، أي من الصين تحديدا. يا للهول!
أود أن أؤكد هنا – ومن بدون أي مواربة أن الدول الديمقراطية الليبرالية الغربية ليست أبدا بلا خطيئة أو أخطاء، بل هي تعاني منها يوميا، وهي ما أكثرها وبعضها ما أشنعه. ولكنك ترى هذه الخطايا والأخطاء والعورات تُناقش لحظيا وبقوة وشغف، بل وبطريقة قد تُعتبر "قليلة أدب" حسب معايير هذه المنطقة، ليس في منصات الإنترنت العربي، بل في منصات الإنترنت الغربي وعلى وسائل الإعلام الغربية نفسها. أنا مدمن على مشاهدة الإعلام الغربي ومتابعة وسائل تواصله الاجتماعي وأرى النقاشات والتغطيات الشديدة الانتقاد لحكومات هذه الدول، بل ولمسلكيات بعض مواطنيها. وهذا ما عهدته في هذه الدول التي أدعي أنني أعرفها، أو أعرف الكثير عنها. هذه مجتمعات منفتحة تُكفل فيها حرية الرأي والتعبير والتنظيم السياسي والمجتمعي ولا أحد، لا أحد، يحاسبها على رفع صوتها عاليا ضد السلطة، مهما كان مستوى السلطة. هذا ما جنته شعوب هذه الدول من حقوق اكتسبتها بالكفاح والتنظيم وتعديل المسلكيات الفردية وتبني نظام قد لا يكون هو الأكثر مثالية في تجربة الحكم البشري حتى الآن، لكنه النظام الأنسب إلى أن يولٌد الفكر الإنساني نظاما أنسب وأفضل.
قد تكون الدول الليبرالية الديمقراطية أخفقت إخفاقا شديدا وقصرت تقصيرا ملحوظا لا شك فيه – من أميركا إلى فرنسا - و"انكشفت عوراتها"، كما تحاول السردية في هذه المنطقة إظهارها، لكن هذا لا يعني أبدا انهيار مبدأ الليبرالية الديمقراطية في العالم ولا انهيار النماذج التي تبنته. يجب ألا يقاس نجاح أو فشل تجربة حكم لعدة شعوب، لا شعب واحد، عمرها عدة عقود أو قرون كما في بعض الدول، من خلال أزمة تدوم عدة أشهر. هذه الدول التي أخفقت هي الدول ذاتها، أصدقائي، التي تذهب إليها نخبة شعوب هذه المنطقة لتعليم أبنائها في أحسن ما أنتجته البشرية من مدارس وجامعات ومراكز أبحاث، ومعالجة أحبتها في أحسن المراكز الطبية في العالم، الموجودة فيها وليس في دول أخرى. وهي الدول التي نذهب إلى منتجاتها الفكرية من أفلام وموسيقى ومجلات وكتب وما إلى ذلك بحثا عن الترفيه والثقافة والمعرفة. أنا لا أرى الكثير من شعوب هذه المنطقة يرسلون أبناءهم للتعلم في الجامعات الروسية ولا الصينية، ولا يقومون بشراء الكتب والمجلات الصينية أو الروسية، ولا يبحثون عن فيلم صيني أو روسي لتمضية ساعتين من التسلية بمشاهدته، ولا يغنون الأغاني الصينية أو الروسية حين يريدون الترفيه عن أنفسهم. ولا يبحثون عن ثلاجة أو غسالة أو هاتف أو سيارة روسية أو صينية – إلا إذا كان يركز المشتري في الغالب يبحث عن رخص سعر المنتج، خصوصا في حال المنتجات الصينية، وكلنا نعرف نتائج هذه الممارسات الشرائية.
أصدقائي، قبل أن تسمحوا لأنفسكم بتلويث عقولكم أو الضغط على كبسة "الإرسال" للترويج لمثل هذه المقاطع الفيديوية أو الصوتية أو غيرها من الرسائل الإعلامية البروباغاندية، المتعمدة والموجهة والمقصودة ضد الدول الليبرالية الديمقراطية، وطرح النموذج الاستبدادي الشمولي على أنه "الحل الذي جُرب ونجح" كما حصل في أزمة الكورونا، تذكروا أن هذه الدول الليبرالية الديمقراطية هي المصدر الذي أتى لك بكل وسائل الإعلام التي تستعملها الآن لترويج هذه الرسائل المزيفة. الإنترنت والهاتف الجوال والواي فاي وفيسبوك وتويتر وإنستاغرام، بل وحتى الواتساب، فضلا عن الأيميل وغوغل وياهو وأخواتها – كلها لم تأت لا من روسيا ولا من الصين.
وتذكروا أيضا أن روسيا والصين تخوضان حربا شرسة لم تنته مع هذه الليبراليات الديمقراطية، رغم انتهاء الحرب الباردة منذ أكثر من 30 سنة. وتذكروا أن هذه الدول، خصوصا روسيا، وكما فعلت بشكل واضح وموثق، في محاولة التأثير في الانتخابات الأميركية الرئاسية في العام 2016 للإتيان بدونالد ترامب بدلا من هيلاري كلينتون لأن هذا الأول، وكما نرى بوضوح اليوم، يناسب مخططاتها بصورة أفضل بكثير من الديمقراطية كلينتون. ليس سرا أن روسيا، على وجه التحديد، لديها مليشيات، نعم مليشيات إلكترونية، كاملة ولها علاقات منتشرة في كل ركن من أركان الكوكب، مهمتها إنتاج وترجمة وتوزيع مثل هذه المواد والرسائل الإعلامية، لأنها تريد بذر الشك في العقول بأن نظامها أثبت أنه أفضل من أنظمة الليبراليات الديمقراطية الغربية.
وتذكروا أيضا أن مصدر هذا البلاء الذي خلق موجة هلع ورعب للعالم وقضى – وسيقضي ربما على الملايين من الأرواح، كان إحدى هاتين الدولتين، وهي الصين. ولو أن المجتمع الصيني كان مجتمعا ليبراليا وديمقراطيا منفتحا لكانت الصين قد أبلغت العالم عن هذا الوباء في وقت مبكر وأقفلت نفسها بالكامل فورا، وحالت بذلك دون وصوله إلى كل دول العالم بدون استثناء. وتذكروا أيضا أن هذه الدولة العظمى الثانية التي تقوم بصورة أكبر بترويج مثل هذه المقاطع والفيديوهات، وهي روسيا، لم يعمد النظام فيها إلى الاعتراف بأن لديه "أزمة كورونا" إلا قبل أسبوعين فقط، مع أن بلدا فقيرا وناميا ومتواضعا لناحية إمكانياتها العلمية والطبية، الأـردن، تنبه لهذا الوباء واتخذ إجراءات صارمة ضده منذ أكثر من شهر.
شعوب هذه المنطقة لن تنتصر ولن تتقدم عن طريق مواصلة اجترار وإعادة تدوير معلومات مزورة أو مفبركة أو منقوصة أو مضللة بصورة واضحة لأنها قد تنسجم مع سردية معينة ما في الذهنية العربية ضد أميركا أو أوروبا، وهذه قضية أخرى أقول فيها ما أقول حين أقول. فللعرب مظالم تاريخية موثقة وحقيقية ضد أميركا وأوروبا على مدى أكثر من قرن. هذه الشعوب تتقدم وتنتصر فقط باكتساب المعارف العلمية الحقيقية وتداول المعلومات الحقيقية، وليس بإقناع النفس بأن أميركا وأوروبا انهزمتا وانهارتا أو هما على وشك – بسبب مقاطع فيديو مزيفة تريد أن تزيف وعي أبناء هذه المنطقة بأنها كذلك.
* دبلوماسي أمريكي سابق
** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دار الحياة