"انتهت حلول الأرض والأمر متروك للسماء".. مقولةٌ نسبت لرئيس الوزراء جوزيبي كونتي، إذ انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي  كالنار بالهشيم، ومن فصيلةِ تلك المقولة عشرات الأخبار الخيالية التي ليس لها أساس من الصحة .

ومنذ بدأ أزمة فيروس كورونا أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي، ساحة لنشر الأكاذيب، والأخبار التي نسجت من الخيال، لم يقف الأمر عند خبرِ "أوروبا تدخل كلها بالإسلام"، أو شائعة "الغربان تحوم فوق ووهان الصينية لأكل الجثث من كثرتها"، بل امتدت الشائعات لكتابة معلومات طبيّة وعلمية خاطئة، إلى جانب نشر نظريات مؤامرة حول نشأة الفيروس، ونشر شائعات اجتماعية ودينيّة تتعلّق به.
مواقع التواصل الاجتماعي باللغة العربية ضجّت بنوع آخر من الأخبار المضللة، وكان أبرزها تلك التي تتحدث عن انهيار الحضارة الغربية، وعن إقبال كثيف لغير المسلمين على اعتناق الإسلام أو الاستنجاد به في ظل تفشي فيروس كورونا.
فريق من وكالة "فرانس برس" رصد أن غالبية الشائعات تركزت على الصين منشأ الوباء، وإيطاليا أكثر الدول الأوروبية تأثراً به، وإسبانيا التي تعد من أكثر دول العالم تضرراً، من غير أن توفّر بلداناً أخرى مثل الولايات المتحدة وألمانيا ونيوزيلندا.
وتتناول هذه المنشورات، سواء كانت نصيّة أو مرفقة بصور أو مقاطع فيديو، أخباراً عن انهيار تام في الحضارة الغربية، وإقبال كبير على الإسلام.
بلاء الوباء
لم تكن النظرة الدينية غائبة عن شائعات فيروس كورونا، إذ رافق انتشار فيروس كورونا حملة السلطات الصينية على أقليّة المسلمين الإيغور تحت شعار "مكافحة التطرّف"، وهو  ما استغلها من يطلقون الشائعات لنشر خبرٍ مفاده أنَّ "الصين عادت وأحسنت معاملتها للمسلمين حين نزل بها بلاء الوباء".
في غضون ذلك  انتشر مقطع مصور يُظهر الرئيس الصيني شي جينبينغ في مسجد صيني وهو "يطلب من المسلمين التضرع إلى الله لرفع البلاء عنهم"، لكن الفيديو في الحقيقة يعود للعام 2016 وهو لزيارة تفقدية لمسجد في شمال غرب البلد، لكنه انتشر بشكل يُظهر رئيس الوزراء الصيني يصلّي مع المسلمين في مسجد "كي يحميهم الله من هذه الأزمة". وجاء في تعليق مرافق للفيديو "أخيراً رئيس وزراء الصين يلجأ إلى الله"، لكنّ في الحقيقة  الفيديو يظهر رئيس الوزراء الماليزي السابق عبد الله أحمد بدوي خلال أدائه صلاة الجمعة في أحد مساجد بكين خلال زيارة للصين عام 2004.
وفي السياق ذاته، تداول آلاف المستخدمين (على الأقل ) فيديو يُظهر إقبال آلاف الصينيين على اعتناق الإسلام في ظلّ انتشار الوباء القاتل، وجاء في التعليق المرافق "الله أكبر، عدد كبير من الصينيين اعتنقوا الإسلام بفضل كورونا"، لكن الفيديو لا علاقة له بالصين ولا بالوباء، بل هو يُظهر مواطنين من الفيليبين ينطقون بالشهادتين قبل حفل إفطار في المملكة السعودية العام الماضي.
و كذلك انتشر فيديو  يُظهر توزيع مصاحف للمسلمين في الصين، وجاء في أحد الشروحات المرفقة بالفيديو "حكومة الصين منعت المسلمين من قراءة القرآن الكريم وبعد انتشار وباء كورونا حكومة الصين تزوّد المسلمين بالقرآن، يا لها من معجزة مذهلة من الله والقرآن"، لكن الفيديو في الحقيقة منشور منذ العام 2013 وهو يُصوّر صينيين يحصلون على نسخ من الإنجيل للمرّة الأولى.
الأمر متروك للسماء
وكانت إيطاليا، التي اتّجهت إليها أنظار العالم بعدما ضربها الوباء بشدة، مادّة دسمة للأخبار الكاذبة ذات الخيال الخصب.

فبينما كان النظام الصحّي في هذا البلد يرزح تحت ضغط العدد الكبير من المصابين، تداول مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي تصريحاً منسوباً لرئيس الوزراء جوزيبي كونتي جاء فيه "انتهت حلول الأرض والأمر متروك للسماء"، بما يوحي أن البلد انهار أمام الأزمة، لكن هذا لا أساس له من الصحة.
وتداول آلاف مستخدمي مواقع التواصل مقطعاً مصوّراً على أنه يُظهر الشعب الإيطالي يجتمع في ساحة واحدة  للانتحار الجماعي بعد فقدان السيطرة على تفشّي الفيروس في بلدهم، لكن الفيديو المنشور كذباً تحت عنوان "الإيطاليون ينتحرون" ملتقط في الحقيقة لتظاهرة ضدّ حزب الرابطة اليمينيّ المتطرّف، قبل أشهر من ظهور الفيروس .

وانتشرت أيضًا صورا على أنها تُظهر الإيطاليين يرمون أموالهم في الشوارع بعدما لم يعد للمال أهميّة، لكن هذه الصور قبل نحو عام، ولا علاقة لها بإيطاليا ولا بكورونا المستجد.
وفي ما يوحي بفقدان الإيطاليين الثقة بدينهم وإقبالهم على الإسلام بعد انتشار الوباء والعجز عن مواجهته، انتشر مقطع مصوّر على أنه يُظهر إيطاليين ينضمّون لمسلمين يصلّون في مكان عام، لكن الفيديو في الحقيقة ملتقط عام 2017،  وهو يصوّرصلاة الجماعة  لمسلمين في مكان عام  في مدينة شيكاغو الأمريكية ،احتجاجاً على قرارات للرئيس دونالد ترامب اعتُبرت معادية للمهاجرين والمسلمين
ومن الأخبار المضلّلة  أيضا ذات الصلة ، تداول فيديو يدّعي ناشروه، أنه يظهر إقامة الصلوات الإسلاميّة في شوارع إيطاليا "لدعاء الله وحفظه من خطر كورونا"، لكنها في الحقيقة ولا علاقة لها بما يجري حالياً، ونشر فيديو على أنه يُظهر تكبيرات في شوارع إيطاليا "بعد أن عجزت وأعلنت الاستسلام"، لكن في الحقيقة أنه  تم التقاطه قبل أشهرفي ألمانيا .
منذ أن احتلّت إسبانيا حيزا كبيرا في الأخبار العالمية مع تفشّي الوباء فيها على نطاق واسع، ومواقع التواصل لا تتوقف عن نشرأخبار مضلّلة عنها، ظهرت على سبيل المثال في  فيديو من أربعة مقاطع يدّعي ناشروه أنه  يُظهر لأول مرّة منذ 500 سنة ( وبأمر من الحكومة) ما يوحي بأن السلطات في هذا البلد ذي الغالبية الكاثوليكية أباحت أو طلبت رفع الأذان في ظلّ انتشار الوباء بعدما كانت تحظره في السابق، والحقيقة أن رفع الأذان لم يكن ممنوعاً من قبل في هذا البلد الذي يكفل الحريّات الدينية، وكذلك لم تصدر الحكومة  الاسبانية أي قرارحوله في الآونة الأخيرة

شارك عشرات آلاف من مستخدمي موقع فيسبوك باللغة العربية على أنه يُظهر افتتاح جلسة للكونغرس الأمريكي بقراءة آيات من القرآن، في ظلّ ما يعيشه هذا البلد من وضع صحّي خطير وتحذير سلطاته مما هو أسوأ، لكن هذا الفيديو ملتقط في العام 2017 وهو يُظهرالرئيس الأمريكي  دونالد ترامب في احتفال أقيم  بعد تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة، وفي هذا الاحتفال التقليدي تتلى في البلد صلوات لمختلف الديانات.

وفي سياق المنشورات الكاذبة عن إقبال الغربيين على الإسلام في زمن الوباء، ظهرعلى مواقع التواصل الاجتماعي باللغة العربية فيديو يدّعي ناشروه أنه يُظهرجمعا كبيرا من  الألمان وهم يؤدون الصلاة بجانب المسلمين ، لكن هذا الفيديو تم تصويره  في العام 2015 أي قبل أربع سنوات على ظهور الفيروس، وهو يُظهر نشاطاً أقيم في مدينة أوسترينغن الألمانية لتعزيز الروابط بين المسلمين والمسيحيين.

ولم توفّر الأخبار الكاذبة  نيوزيلندا، فبعد أيام على فرض سلطاتها الحجر المنزلي الإلزاميّ على سكّانها في الرابع والعشرين من آذار(مارس) الماضي، انتشر مقطع على أنه يُظهر فرقة تُنشد أسماء الله الحسنى في كنيسة في هذا البلد من أجل "رفع بلاء الفيروس"، لكن الفيديو في الحقيقة  كان يصوّر  حفلة تتضمن  أناشيد في متحف آيا إيريني في إسطنبول عام 2011، والأمر ليس له علاقة بنيوزيلندا ولا بوباء كوفيد-19.