ولو أجبت يوما عن سبب تأخر دولة وتقدم أخرى ، لقلت الحجر على الرأى ومنعه، والإجهاز عليه اولا بأول ، مقابل حرية الرأى والنشر ، والرد عليه بالحجة دون إسفاف أو إتهام إلا بدليل، وهذا ليس حق دستورى للكاتب فقط، بل هى الأداة الرئيسية فى منظومة الديمقراطية، إذا فقدت، إعتلت كلها ومرضت وأنكسرت وخارت قواها، وإذا قامت نمت كلها وشبت وربحت وأشتد عودها ، وهذا حق للكاتب فيما يكتب، وللقارئ فيما يقرأ ويفهم ويقارن ويوافق أو يرفض ، فإذا أصاب صاحب الرأى درسناه وفصلناه ، وإذا أخطأ فندناه ورددناه ، وإذا خالف نصا قانونيا محرضا أو مفسدا حاسبناه وحاكمناه ، ليس له أقل من هذا وليس عليه أكثر من ذلك .

وليست حرية الرأى على الهوى والمزاج ، تروح حسب ماتشاءون وتعود إلى حظيرتها في المساء، ولاتسير فى إتجاه واحد، دون إشارات أو علامات أو تقاطعات أو وقفات ، حتى لو كان السير مأمون العواقب دون صدامات أو إحتكاكات أو مطبات ، فلا أمان للمسير إلا بالنذير ، ولا ضمان للطريق إلا بالبشير، ولا وصول إلا بالسؤال والإستخبار والدليل ، مخافة الايدل الأثر على المسير، والبعرة على البعير، وليست الحرية على المقاس، و على مساحة الأحداث ، أو على طول وجهة النظر وعرضها، أو تسبح فى إتجاه التيار للسهولة واليسر ، أو السير فى الطريق الممهد المرصوف للسلامة والنجاة، أو مع الجموع للدفء والألفة، فربما يدفعها التيار إلى مصب غير آمن، أو الطريق الممهد إلى حيلة وخديعة ، أو تدفعه الجماهير إلى كذبة وضلال ، حرية الرأى رحبة على رحاب أرض الله ، تخرج فى الصباح إلى أرض الله الواسعة ترعى ، والأزهار والأشجار تشم نسيمها ، ولا يمنعها مانع عن المستنقعات والبرك والأوحال ، وتعود تفتح جرابها للناظرين على قدر ماحمل الجراب وما قع من الصيد فى الشباك، وماهضمته أمعاؤها ، وما أفرزته من رحيق طيب، أو خبيث ، الحرية سبيل النجاة، وعين الطريق، وتنبيه وإنذار من الغفلة والنوم، بغير هذا وبدونها تشب وتنمو المحسوبية والمخادعة والمرواغة ، الغريب فى الأمر أننا مصرون على عدم فهم طبيعة المعطيات، والتى تؤدى إلى نفس النتائج، ونصر فى نفس الوقت على ذات السؤال، لماذا نحن على هذا الحال؟

ولأننى لاتربطنى علاقة بالمهندس صلاح دياب، حتى لا أتهم بمجاملته أو الإستفادة المادية منه، فلم نتحدث إلا مرة واحدة، وكأن هذا بعد مقالى فى المصرى اليوم ردا على شيخ من شيوخ الأزهر، وتوقعت ان يسعى إلى تخفيف حدة الصراع، أو وقف هذه المسأجلة والمجادلة منعا للحرج، إلا أنه قد أشاد وشجع وايد حرية الرأى والفكر مهما تكلف، "واللى عاوز يرد ننشر له الرد على ذات المساحة " وهكذا ختم حديثه معى، وكأنت مرة لم تتكرر بيننا، وإياك أن تحسب ان الكتابة فى المصرى اليوم مجزية أو مربحة ، فهى بالخسارة ويشهد على هذا كل االكتاب، إلا أن الكتابة فيها والخروج على الناس من هذا المنبر هو الأربح والأكسب، وهذه قناعاتى ربما لاتليق لآخر ولايقبلها ، منبر حر، أرفض غيره مهما كان مجزيا وقد حدث، إلا أننى مصر على حرية الرأى والفكر والتناول ، ولا سبيل إلا الحوار والمجادلة، أمأ المنع والإغلاق والصد فهو ضعف وهروب وقلة حيلة ، وكأن أولى وهو المدافع عن حرية الرأى ويتكبد عناءها ، أن نحملها إليه ولانرفعها عنه، يوم يكون حقا له ولنا، .

وحقى أن أتساءل ، وليس واجبا على أحد الإجابة ، فقد إعتدنا هذا منذ أزمان ، ماذا لو كان هذا الرأى من أحد غيره؟ هل كنا نكيل له هذا الكيل، ونرفع قلمه من الخدمة، ونتهمه بالعمالة؟ أجزم واقسم لكان الجميع قد مروا على ماقاله مرور الكرام، وربما كان عتابا رقيقا أو لاعتاب، أمأ ان يحرم من كتابة عموده اليومى، فقد تجاوزنا الحجر إلى الإخلاء، والتعزير إلى التعذيب، و تخطى هؤلاء مراحل القهر بمراحل.

أنا مختلف معه فيما عرض وأقترح، وربما يستطعمها ويتذوفها جيل قادم ، وهذا منطق رجال الأعمال ، ميزان الربح والخسارة هو ميزان العدل والحق والتميز والتفصيل عندهم ، وعلى فكره هكذا تدار الدول الآن، حتى فلسفة إعالة الفقراء ليست منهجا إنسانيا الآن، بل هو منهج متوازن ومدروس، إقتصادى بحت، وهو حماية الأغنياء من ثورات الفقراء وتضاف على التكلفة يدفعها غيرهم ، وربما هذا النهج يصلح قريبا، إلا أنه قد سبقنا بعض الشئ وكأن يجب أن يكون الرد غير مقبول مؤقتا ، وربما يقبله يوما أولادنا ، يوم يكون منهجا لإدارة الدولة مستقبلا .

عودوا إلى الحق والى الدستور الذى يكفل حرية الرأى، أقسى أنواع الظلم حجب الرأى، ومحاربة الكلمة بالمصادرة، ومنع القلم من الكتابة، وأتهام الكاتب ظلما دون دليل، والأقسى أن يكون من كاتب جرب قهر القلم وحجب الفكر، وجادلوه بالتى هى أحسن، بالمجادلة والحوار ستعرفو ن الحقيقة ، أهو وطنى او عميل أَو متواطئ؟ غير هذا تجاوزتم .

* كاتب مصري وباحث فى تاريخ الجماعات الاسلامية عضو المجلس الأعلى للثقافة** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"