السؤال الذي يراود كل من يطلع على حجم الديون المتراكم على الحكومات العربية، هو كيف ستسدد الدول العربية ديونها وهي تعاني من إفلاسٍ كبير؟!.

ليس لبنان الورقة الأولى من إفلاس الدول العربية، فعلى الرغم من أن دول العالم جميعاً في وضع يائس، إلا أن حال الدول العربية هو الأصعب والأكثر هشاشة بشكل خاص، حتى النفطية في شبه الجزيرة العربية، فليست الأمور وردية للغاية، حيث تنمو ديون هذه الدول أيضا بسرعة، بالنظر إلى انهيار أسعار النفط.

ما الذي يحدث في الاقتصاد العالمي؟

يشير المحلل السياسي ألكسندر نازاروف في مقاله المطول عن أزمة الديون العربية أنَّ الاقتصاد الرأسمالي يمرُ بمراحل متعاقبة دورية، تتمثل في مراحلة متعددة، أولها النمو، ثانيها مرحلة الإفراط في إنتاج السلع وجمع الأموال، ثم مرحلة الأزمة وإفلاس الأفراد والشركات والتخلص من جزء من الإنتاج ورأس المال.

ويشبه نازاروف الأزمة الحالية بالكساد الكبير الذي وقع عام 1929، والذي يعتبره مثال نموذجي على "الأزمة الدورية في فرط الإنتاج".

وأشار إلى أنَّ العالم بأزمة مماثلة لكنها مختلفة قليلا، فبعدما قامت الولايات المتحدة الأمريكية بفك ارتباط الدولار بالذهب عام 1971، حصل الاحتياطي الفدرالي حينئذ على إمكانية طباعة دولارات غير مغطاة بكميات غير محدودة، وهو ما حفز المستهلك لاستخدام الائتمان، وهو ما رفع الإنتاج، ومعه أيضا نما هرم الديون، الذي وصل اليوم إلى مستويات لم يشهدها تاريخ البشرية من قبل.

مع ذلك، وحتى بمساعدة القروض، أصبح من المستحيل زيادة الاستهلاك إلى ما لا نهاية، ما يعني أن رأس المال على المستوى العالمي يتوقف عن تحقيق أي أرباح، وأصبح معدل الفائدة في أكبر الاقتصادات العالمية في اليابان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة صفر أو بالسالب، بينما تقوم معظم البنوك المركزية في العالم بخفض أسعار الفائدة في محاولة منها لتحفيز الاقتصاد. إن تريليونات الدولارات واليورو غير المغطاة التي تطبعها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي لن تدخل قطاعات الإنتاج، لأن الاستثمار في الإنتاج يتسبب الآن في خسائر. لكن الاقتصادات الغربية على الأقل تتلقى المال مجانا.

ومع ذلك، فإن الدول الأكثر فقرا، والأقل موثوقية في السداد، مثل لبنان، تضطر إلى دفع نسب فائدة أعلى على القروض، أي لفترة قبل إفلاسها، أي أنها لا زالت قادرة على تحقيق أرباح لأصحاب الأموال العالمية. إن اقتصادات هذه البلدان في سياق الإنتاج العالمي المفرط تنغمس هي الأخرى في الأزمات، ولكن لبعض الوقت يمكن أن تؤخر الانهيار بسبب حقيقة أن الائتمان في الغرب أصبح أرخص وأكثر سهولة في الحصول عليه مع كل عام، واستنادا لذلك اقترضت الدول النامية حتى غرقت بالكامل في الديون. تقترض بعض البنوك الأمريكية من الاحتياطي الفدرالي بنسبة 0% سنويا، وتقدم قروضا لحكومة لبنان أو مصر أو المملكة العربية السعودية أو لدول أخرى بموجب فائدة قدرها 5%، على سبيل المثال، فتكون تلك الحكومات سعيدة لقدرتها على الحصول على هذا القرض، لعجزها عن الحصول على فائدة قدرها 10% في العام الماضي، لأن موازنات واقتصادات هذه الدول ليست مثالية على أقل تقدير، وتمثل مخاطر للمقرضين. تزداد هذه المخاطر مع الوقت، لكن البنوك المركزية الغربية تغرق اقتصاداتها بقروض مجانية، يذهب بعضها إلى دول أخرى.

ما هي الخطورة هنا؟ الخطورة في أن هذه الدولارات واليوروهات تأتي "من الهواء"، ولا يمكنها سوى أن تؤخر قليلا انهيار النظام المالي العالمي وهرم الديون، لكنها أبدا لن تمنعه. المفارقة أن البنوك المركزية للولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا يمكنها طباعة الدولار واليورو "من الهواء"، لكن حكومات لبنان ومصر والمملكة العربية السعودية وغيرها لا تستطيع ذلك، وحينما يبدأ انهيار النظام المالي العالمي، كما حدث في عام 2008، وحتى قبل شهر واحد من الآن، كانت البنوك جميعا مشلولة من فرط الهلع، لأن الطلب سينهار، ولن يكون الائتمان التجاري متاحا، فمن إين ستحصل الدول العربية على الدولارات واليوروهات لسداد ديونها؟

إنها عملية تجري على مستوى العالم أجمع، سوف تتحول فيها الملكية من المدين إلى الدائن، ويجري من خلالها تحول هائل في تركيز الملكية إلى أيدي عدد من البنوك العالمية، التي تتحكم في الاحتياطي الفدرالي الأمريكي. وهذه البنوك سوف تحصل على ذلك مجانا، بعد أن طبعت دولارات "من الهواء". إنها عملية الاحتيال الأعظم في تاريخ البشرية.

بإمكان الولايات المتحدة الأمريكية عدم سداد ديونها، يقترح بعض الأعضاء البارزين في الكونغرس الأمريكي بالفعل عدم سداد ديون الولايات المتحدة للصين. ومع ذلك، فمن غير الممكن ألا يسدد العرب ديونهم لأمريكا.

ماذا سيحدث بعد ذلك؟ صفقة القرن، وإفلاس لبنان يعطيان إجابة بليغة. فقد اشترط "المقرضون الدوليون" طرد حزب الله من الحكومة مقابل أي مساعدة للبنان. بدون ذلك، سيغرق لبنان في الفوضى والكوارث الاقتصادية. صفقة القرن أيضا هي بمثابة زجاجة مياه لميت من العطش في قيظ الصحراء مقابل التنازل عن المقدسات الإسلامية وحق الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم. لا أعتقد أن الولايات المتحدة يمكن أن تشطب ديون العرب دون أن تحصل على شيء مقابل ذلك.

لن أناقش هنا ما إذا كان بإمكان الحكومات العربية ألا تقع في هذا الفخ. ربما تكون الإجابة بالنفي، ففي العالم الحديث هناك سباق إنتاج، والأولوية فيه اليوم لمن يستدين القروض، حتى ولو تهدد هذا المدين الإفلاس في المستقبل البعيد. لكن الحقيقة الواضحة وضوح الشمس الآن هي أن الولايات المتحدة الأمريكية تطبع النقود "من الهواء"، وتقرضها للحكومات العربية، التي سوف تضطر مستقبلا سداد هذه الديون بأصول حقيقية، من الودائع أو حقول النفط، أو الثقافة الوطنية، أو الأضرحة والمقدسات. ولن يكون بإمكان هذه الحكومات ساعتها الاعتراض على أقوى قوة عسكرية على هذا الكوكب.