ما يميز الدول الثلاث التي تعاني من أكبر الأعداد لناحية الإصابات المؤكدة بفيروس كورونا والوفيات الناتجة عن هذه الإصابات هو أن حكام هذه الدول ثلاثة منهم لم يأخذوا هذا الفيروس على محمل الجد ولم يتخذوا الإجراءات الوقائية اللازمة بصورة مستعجلة أو أنهم لم يبدأوا في ذلك حتى الآن، أي بعد أربعة أشهر من خروج الفيروس من منشأه في ووهان الصينية. الدول الأعلى في العالم لناحية الإصابات والوفيات من فيروس كورونا اليوم هي، وبالترتيب: الولايات المتحدة (أكثر من 1.7 مليون إصابة، أكثر من 100 ألف وفاة)؛ البرازيل (أكثر من 377 ألف إصابة، أكثر من 23 ألف وفاة)؛ روسيا (أكثر من 365 ألف إصابة، ما يقرب من 4 آلاف وفاة).

الثابت أن زعماء الدول الثلاث الأولى في العالم في عدد الإصابات والوفيات من فيروس كورونا في العالم تأخروا في أخذ هذا الفيروس القاتل على محمل الجد منذ البداية، بل وإن بعضهم لا يأخذه على محمل الجد حتى الآن وهم يسارعون منذ فترة ليست بالبسيطة لإعادة فتح اقتصادات بلدانهم رغم عدم وصول انتشار الفيروس إلى مرحلة مطمئنة في بلدانهم، وهم بالترتيب: الأميركي دونالد ترمب والبرازيلي  جير بولسونارو والروسي فلاديمير بوتين.

ولكن في مقدمة هؤلاء الزعماء هو دونالد ترمب الذي ارتكب سلسلة من الأخطاءال قاتلة في معالجة الأزمة منذ انطلاقها في أواخر يناير الماضي، وهو ما تشير استطلاعات الرأي الأخيرة في الولايات المتحدة إلى أن أزمة كورونا قد تؤدي إلى القضاء على حظوظه في إعادة انتخابه رئيسا لأميركا في 3 نوفمبر المقبل، مع أنه لم يكن حتى ليتخيل قبل ستة أشهر فقط ألا يفوز فيها. فهذا الرجل كان أعلن في بداية أزمة كورونا في يناير الماضي أن هذا الوباء "ليس أكثر فتكا من الإنفلونزا العادية وأن عدد الإصابات في البلاد لم يتجاوز الـ 15 وسرعان ما سيشفى أصحابها ويزول الفيروس نهائيا." وهو تأخر وتردد كثيرا في إعلان حالة الطوارئ الوطنية في الولايات المتحدة إلى شهر مارس بعد أن كان الفيروس قد عاث في الأرض فسادا. ولم يتوقف هذا الرجل عند هذا الحد بعد ذلك، بل بدأ في عقد مؤتمرات صحفية يوميا في البيت الأبيض برفقة خبرائه الطبيين وخبراء الصحة العامة، إلا أنه بدأ يتصدر هذه المؤتمرات ويتحدث بأكثر من 95% من الوقت فيها، مستغلا وجود مستشاريه الطبيين فقط لإصباغ المصداقية على جهوده في مكافحة الوباء. غير أن الجمهور الأميركي، وبمساعدة نشطة من الإعلام، أدرك سريعا أن ترمب لم يكن بوارد مساعدتهم في فهم هذه الأزمة المدمرة وإطلاعهم على ما تقوم به إدارته أولا بأول للخروج منها، بل إنه كان مهتما أصلا وفقط بالترويج لإدارته، أي أنه وباختصار حول تلك المؤتمرات الصحفية إلى مهرجانات دعائية لحملته الانتخابية، وهي المهرجانات الانتخابية التي حرم منها منذ بداية الأزمة. ولم يكتف ترمب بذلك، بل بدأ بالترويج لعقاقير معينة لم تثبت فعاليتها أو سلامتها للمصابين بالوباء، مختلفا بذلك بوضوح مع آراء خبرائه الطبيين والصحيين الذين كان يسعى جاهدا لمنعهم من المجاهرة بآرائهم فيها. ولعل أبرز تلك العقاقير هو هيدروكسي كلوروكوين، الذي اعترف ترمب بحماقة قبل أيام بأنه يتناوله رغم تحذير الخبراء الصحيين من تناوله إلا لمن هم يعانون بشدة من الوباء في المتشفيات وبنصيحة أطبائهم. ثم وصولا إلى رائعته قبل حوالي شهر حين شجع مباشرة وعلى الهواء في أحد هذه المؤتمرات الصحفية مواطنيه الأميركيين على استخدام المعقمات الكيماوية مثل مادة "الديتول" أو "اللايسول" كوسيلة لمكافحة كورونا عن طريق حقنها مباشرة في أجسامهم! حينها ضجت أميركا ضده، ودفع ذلك غالبية مستشاريه الصحيين والسياسيين بنصيحته بأنه ربما حان الوقت لتوقفه عن المشاركة في تلك المؤتمرات الصحفية لأنها بدأت تؤدي إلى انخفاض أرقام الراضين عنه وعن إدارته للأزمة بصورة متسارعة، وهو ما سيعود عليه بكارثة انتخابية. وبدلا من أن يسمح بمواصلة هذه المؤتمرات بمشاركة مستشاريه الصحيين وربما الاقتصاديين وغير ذلك فقط، أوقفها كليا لأنه كان يريد فعلا من ورائها أن تعوضه تلك المؤتمرات التي كانت تُشاهد من قبل عشرات الأميركيين على التلفزيون أو البث الحي عبر الإنترنت مباشرة حينئذ عن مهرجاناته الانتخابية المباشرة التي كان يستخدمها أسبوعيا للترويج لحملته الانتخابية منذ وصوله إلى سدة البيت الأبيض في يناير 2017.

ومنذ أكثر من شهر، وفي حين أن الأزمة لا زالت تعصف بالبلاد وأرقام الإصابات بعشرات الآلاف والإصابات بالمئات، وعلى عكس نصيحة غالبية خبرائه الصحيين، بدأ ترمب بالترويج لإعادة فتح البلاد اقتصاديا واجتماعيا لأن الإبقاء على الوضع الحالي لن يكون أمرا مساعدا لفرص إعادة انتخابه، فعشرات الآلاف من الأميركيين يصابون يوميا بالكورونا والآلاف منهم يموتون بسببه، وملايين الأميركيين يفقدون وظائفهم كل أسبوع بسبب الجانحة. هدفه الأساسي هو زيادة فرص إعادة انتخابه بغض النظر عن صحة أو رفاه الأميركيين، فمصلحته السياسية هي أهم من كل الصالح الأخرى.

جائحة كورونا وما كشفته من عجز هذا الرجل المفزع عن إدارة أسوأ أزمة صحية تعصف ببلاده – وبالعالم – منذ الإنفلونزا الإسبانية في العام 1918، ناهيك عن الدمار الاقتصادي الذي ألحقته بالولايات المتحدة – البورصة خسرت أكثر من ثلث قيمتها خلال شهرين؛ أرقام العاطلين عن العمل بلغت ما يقرب الـ 40 مليون أميركي ونسبة البطالة تجاوزت الـ 20 بالمئة، وهي الأسوأ منذ الكساد الكبير في العام 1929، باتت ناقوس خطر يدق باب ترمب كل يوم. وهذه الجائحة، هي، بالإضافة إلى عوامل أخرى لكنها تقل أهمية، هي المسؤولة عن الأرقام الجديدة في استطلاعات الرأي العام الأخيرة التي بدأت تشير بوضوح إلى أن ترمب قد يخسر فعلا الانتخابات الرئاسية المقبلة لصالح منافسه الديمقراطي نائب الرئيس الأميركي الأسبق جوزيف بايدن. آخر هذه الاستطلاعات يوم 20 الجاري كشف عن أن بايدن يتفوق على ترمب بما لا يقل عن 11 نقطة مئوية، كما كشف عن تفوق بايدن بأرقام مريحة على ترمب في الولايات التي تسمى بـ "المتأرجحة" في الانتخابات الأميركية العامة (أي غير المحسوبة تقليديا على أي من الحزبين السياسيين الرئيسيين في الولايات المتحدة مثل ولايات بنسلفانيا وإنديانا ومشيغان وفلوريدا)، وهي الولايات التي عادة ما تحسم الفائز في الانتخابات لصالح هذا المرشح أو ذاك من الحزبين.

لا أريد التسرع بالقول إن هزيمة ترمب باتت مؤكدة، فلا زالت أمامنا ستة أشهر قبل موعد الانتخابات وهي فترة طويلة جدا تاريخيا للجزم بفوز هذا المرشح أو ذاك، كما أنها فترة يمكن أن يحدث فيها ألف حدث قد تغير الوضع الحالي بالنسبة إلى أرقام المرشحين كليا. لكن أزمة كورونا والطريقة المخزية التي أدار بها ترمب هذه الأزمة ربما تكون قد دقت المسمار الأخير في نعش ترمب وإدارته.

الرئيس البرازيلي اليميني الشعبوي المحافظ بولسونارو ليس أفضل حالا من ترمب في سوء إدارته لأزمة الكورونا في بلاده، فأرقام الإصابات والوفيات المرتفعة وصلت حدا توقعت على أساسه إحدى نماذج كلية إمبيريال اللندنية أن تصل الوفيات في البرازيل إلى 1.1 مليون وفاة إن لم تتخذ إجراءات العزل الصحي المشددة في البلاد. وتماما كما اختلف ويختلف ترمب مع مستشاريه الصحيين، اختلف هذا الرئيس البرازيلي اليميني مع شعبه، كما ومع وزير صحته لويز مانديتا الذي كانت شعبيته في الأعالي (76 بالمئة) مقابل بولسونارو (28 بالمئة)، فقط لأن الوزير المُقال كان يحثه على الاعتراف بخطورة كورونا على البرازيليين ويوصيه بفرض إجراءات صحية أكثر صرامة في الوقت الذي يريد فيه الرئيس إعادة فتح البلاد بسرعة خوفا من انهيار الاقتصاد وانهيار رئاسته معه.

الرئيس الآخر الذي قلل من أهمية وباء كورونا على بلاده في البداية وبدأ يتفاخر بأن بلاده تسيطر على الوباء رغم حدودها الطويلة مع الصين، مرسلا طائرات الشحن الضخمة المحملة بالإمدادات الطبية والعاملين الصحيين إلى دول غربية ديمقراطية، مثل إيطاليا، في حملات علاقات عامة واضحة بأن بلاده انتصرت في حرب كورونا فيما هُزمت فيها دول ديمقراطية تباهي الكرة الأرضية بتقدم أنظمتها الصحية وأوضاعها الاقتصادية، هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ولكن، واللهم لا شماتة، فبلاده الآن هي الثالثة بعد الولايات المتحدة والبرازيل – رغم أن عددها هو تقريبا نصف عدد سكان أميركا – من حيث عدد الإصابات بالكورونا والوفيات الناجمة عنه. (أكثر من 377 ألف إصابة، ما يقرب من 4 آلاف وفاة). ولسوء حظه، فبعد أن كان بوتين يرسل الطائرات لمساعدة الآخرين، هبطت يوم 21 الجاري أول طائرة أميركية محملة بالمساعدات الطبية الأميركية في مطار موسكو! ما أبعد اليوم عن البارحة!!

بوتين، مثله مثل رفيقيه ترمب وبولسونارو، أراد أن يعكس ثقة بالنفس ربما لم تكن في محلها حين بدأ يتبجح في بداية الأزمة بأن بلاده قد واجهت الوباء باقتدار لم تحزه الدول الغربية المتقدمة كالولايات المتحدة وأوروبا الغربية وبدأ ينظم حملات العلاقات العامة الفارغة لنظامه وله شخصيا.

ورغم عدم قناعتي بصحة الأرقام – أي أرقام -- صادرة عن روسيا أو أي من الدول التي تفتقر إلى الصحافة الحرة، فإن هذا الرجل خسر الكثير من شعبيته أمام المواطن الروسي بسبب إدارته السيئة التي اتسمت بالعنجهية والغطرسة وعدم الاقتدار، إذ تشير "استطلاعات الرأي" (أضعها بين قوسين متعمدا) إلى أن شعبيته التي ظلت تناهز الـ 80 بالمئة لفترة طويلة انخفضت إلى 59 بالمئة الآن، وهي الأدنى منذ أن تسلم بوتين مفاتيح حكم روسيا بمناصب مختلفة منذ 20 عاما.

عبقرية الأنظمة الديمقراطية الليبرالية – رغم أن بها ألف سبب وسبب تدعوني إلى انتقادها – هو أن الرئيس أو رئيس الوزراء المنتخب في هذه الدول هو المسؤول أمام مواطنيه وهو الذي سيدفع الثمن إذا أخطأ في إدارة البلاد وسيكافأ بإعادة انتخابه إن أبلى بلاء حسنا. فالحكام في هذه الدول يخدمون "حسب رغبة الشعب"، ولهذا فإن عليهم، وليست "منة" منهم، أن يحترموا هذا المواطن الذي لولا صوته المؤيد لما وصلوا إلى مناصبهم. أما في الأنظمة الشمولية، فإن الحاكم يعتقد أن الشعب يعيش في بلاده "حسب رغبة الحاكم"، وهو ما يعني تلقائيا أن حياة هذا المواطن في مثل هكذا دول مشروطة برضى الحاكم عن صاحبها، في حين أن طول أعمار الحكام الديمقراطيين في مناصبهم يبقى مشروطا برضى المواطن عنهم.

في الأنظمة الديمقراطية كما الولايات المتحدة ودول أخرى ديمقراطية ليبرالية – فرنسا، بريطانيا، إيطاليا، كندا وحتى البرازيل، ليس عندي شك في أن رؤوسا كبيرة فيها، بمن فيهم الرؤساء ورؤساء الوزراء وغيرهم، سيطاح بها حين تحل مواعيد الانتخابات في تلك البلاد. وهو ما يعني أننا سنشهد تغييرات سياسية ملحوظة في أعلى هرم الحكم في هذه البلاد كالولايات المتحدة وإيطاليا وحتى البرازيل بل والهند. أما في الدول الشمولية، كروسيا والصين، التي لا نعرف بالضبط ما حدث فيها حين تفشى وباء كورونا وكم إصابة وقعت بها وكم وفاة نتجت عن هذه الإصابات، فالرئيس لا يتغير لأنه "لا يخطىء" وإن حدث خطأ "فهو خطأ يتحمله آخرون، لا هو"، وحتى لو "أخطأ الرئيس، لا سمح الله، فهو لا "بديل له"!! يعيش الرئيس إلى أن يموت أو يُزج به في السجن في انقلاب عسكري!!

*  دبلوماسي أمريكي سابق

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دار الحياة