لم يكذبوا عليك حين كان الدرس الأول فى التاريخ أن مصر أم الدنيا، ليس فى مدارسنا ومعاهدنا، بل فى المدارس الأوروبية والأمريكية، عندها فقط انتبهنا أن الأرض التى نطأها وندوسها كل يوم، ونلعن ترابها إذا ضاقت علينا «ونكره اللى يقول آمين» هى من رفات أمهات وآباء وأجداد العالمين، وأن الأم التى نهجرها يوماً، وندير لها ظهرنا يومين، ونخاصمها عشرة، يوقرها العالم كله، وتحترمها كل الدنيا، وتشرف القريب والبعيد. ولما قالوا إن الحضارة والقانون كان ميلادهما يوم ميلادها، صدقوا القول، فمصر قد جاءت ثم أمسك التاريخ بالقلم وكتب على ورق البردى من هنا يبدأ ميلاد اليوم الأول للتاريخ. هذه مصر إن تحدثت عنها فاعلم أن هنا كان ميلادك، نبتة ذكية وُزِّعت على الأرض كلها، فسد منها من فسد وعطب منها المتطاولون، وصلح منها مَن صلح وطاب مِن المحترمين.
وحين سمعنا عن أزمة «كورونا»، وضاقت بعض أراضى الأغنياء بما رحبت، تطرد الأجانب من بلادها بحجة أن العلاج لأصحاب الأرض فقط، وحجزوا الأجانب خلف الأسوار كالدواب، ساعتها فقط انتبهنا ونحن البسطاء أن بين جوانحنا ملايين من هؤلاء، لم نفكر يوماً أنهم غرباء، بل يعملون بيننا، ويسكنون جوارنا، ويأكلون من خيراتها مثلنا، ويصطفون دون أولويات أو أفضليات. ولما تطاولوا علينا استعدنا فضلنا على الجميع، وكنا قد نسيناه، أو قُل ينسى الفضل أبناء الأكرمين.
وقال مَن قال ولا نعرفه: إن أردت الشهرة سب والْعَن أولاد الناس، وإذا أردت طولاً ومقاماً فتطاول على كبار القوم، وإذا أردت أن يشار إليك بالبنان فارفع بنانك بسوء على الشرفاء، أو ارمهم بحجر، فإن رموك بسوء كما رميت زدتَ شرفاً ورفعة، وإن مالوا وحادوا عنك فاعلم أنك قليل المقام وفاقد الرباية والأدب.
إلا أن الأمر قد فاق الحد والاحتمال، والصبر والطاقة، وأصبح السكوت والانصراف عن هذه الصغائر مستهجناً من أولادنا، ضعيفاً أمام أنفسنا وأمام العالم، وإن خرج البعض منا مدافعاً ومهاجماً كان لهم فى نقائصهم وعيوبهم الكثيرة، ما يدفعهم إلى ذكره، ووصفهم به، ومعايرتهم عليه، وإفشاء أسرارهم وتاريخهم، وقد كنا يوماً نعزف ونعف عن ذكرها، إلا أن باباً قد فتحه الجهلاء والحمقى أمثال البغيلى وصفاء الهاشم وأخيراً هذه «الريم» من أم مصرية قد أساءت تربيتها وتأديبها، فربما يتجاوز الرد حدود الغضب، ويتخطى التقريع والتهزىء والتسفيه خطوط الردح والشرشحة، ولا لوم علينا ولا عتاب، وليس فى محله، فلا سيطرة لنا على مشاعر الناس، ولا حدود لغضب البعض إذا استشعر المهانة والإهانة، وكانت لبلده وجنسه وتاريخه وأبنائه وأجداده وترابه وعرضه وشرفه، ويكون قد جنت على نفسها براقش، والعيب كل العيب على من بدأ وليس على من انتهى.
والصمت والترفع وعدم الرد، قد يدفع السفيه والجاهل إلى الإفراط والشطط، وينسى نفسه، وربما يظن أنه على الصواب وعلى الحق، ويتمادى فى غيه وضلاله، وأن الساكت منا على الباطل شيطان، وبمائة لسان مهزوم ومغلوب وموافق وراض على كل الإهانة والسب، ويلام على السكوت، ويعاتب على الركون، وإذا دافعنا ودفعنا الإساءة بالإساءة، كانت مؤلمة وقاسية، وأخذت فى طريقها الأحباب والأصحاب، إلا أن الأمر السائد والمقبول فى العرف الإنسانى، أنه إذا اختبأ المخطئ والمجرم فى رحال المتفرجين، فقد جلب لهم الإساءة والأذى، إلا إن أخرجوه ولعنوه ورفضوه، ولم ينتظروا ساعة الغضب أو المساومة أو المقايضة، لهدأ الطيبون وسكتوا، وليس عيباً أن يجرنا المعتوه فى حالتنا هذه إلى حظيرة السفهاء، نرد عليه ونهينه كما أهاننا وإن طالت البعض، فليست الحكمة فى كل الأمور ضالة المؤمن، فى كثير من الأحيان الحكمة تضل وتزيف وتدلس وتغش، على أى الأحوال سنترك عليهم بعضنا، والعاقبة على من ادعى، وبدأ الإساءة «وجاب لأهله اللعنة».
وحتى نغلق هذا الباب على من فيه من السفهاء، ونقول لأولادنا كفوا أيديكم وألسنتكم، لا بد من محاسبة من يتطاول علينا، فى حينه، فنحن لا نبدأ الإساءة، إلا أنها تسعى إلينا، وتستفزنا استفزازاً، وتضعنا جميعاً على حرف حاد، فإما السكوت والإهانة والمهانة، وإما الرد مهما كان قاسياً وطال القريب والغريب والصاحب والخصم، وساعتها تخرج الكلمة ولا تعود، وتسمع ما يرضينا ويؤذينا، وما يطربنا ويشقينا، ولا تنسَ أن من أشعل ناراً عليه لهيبها ومن يسكن جوارها، إلا أن العتاب موجه للحكومة الكويتية، فقد سكتت عن الحق مرات ومرات، ولو بادرت وعاقبت وعنفت من أهان فى حينه فى المرات السابقة لما تجرأ بعدهم أحد، ونامت الفتنة فى حينها وهدأت العاصفة، ولا أدرى مبرراً للسكوت إلا سوء الظن والفطن، أما عن أجهزتنا وعلى رأسها وزارة الخارجية فقد قصرت وأهملت وكان يجب أن ترفع الأمر إلى سلطات البلاد العليا، وترفض تماماً هذا الإسفاف وهذه الإساءة وتطالب فوراً برد الاعتبار والاعتذار، أما عن وزارة الداخلية فقد أصبح منع من يسىء إلى البلاد من دخولها أمراً حتمياً هم وعائلاتهم، فنحن لا ننسى صاحب الفضل ولا ننسى الإساءة، ولا تفريط فى كرامة الأمة مهما كان الثمن دون مواءمات أو مسايسات.
عذرا يا كويت، فيكم أحباب وأصدقاء وأهل، إلا أن مصر تبقى فى أعناقنا طوقاً وعلى رؤوسنا تاجاً حتى لو كانت حفنة من تراب أو بيتاً مهجوراً ننام بين جنباته، نلقى ترابها فى وجه من أهانها وأهاننا حتى لو أصاب الجميع العمى، «واللى ييجى علينا يصد ويشيل».
* كاتب مصري وباحث فى تاريخ الجماعات الاسلامية عضو المجلس الأعلى للثقافة
** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"