كفاني تصريحان منسوبان إلى رئيس سلطة الكيان الصهيوني نتنياهو عن الكتابة في حقائق التطبيع. التصريح الأول يقول بالفم الملآن بأن سياسة سرقة مزيد من الأراضي الفلسطينية لن يغيرها أو يوقفها أي تطبيع أو إعلان سلام. وهذا يعنى في الأعماق أن تمدُد الكيان الصهيوني ليستولي على كل فلسطين لازال مطلبا استعماريا استئصاليا قائما، ويعنى أيضا أن بناء المزيد من المستعمرات الصهيونية على فتات الأرض التي يملكها الفلسطينيون مؤقتا لن يتوقف.

أما التصريح الثاني فهو التأكيد على أن بقاء التفوُّق العسكري الصهيوني على مجموع القدرات العسكرية العربية مجتمعة سيظل شعارا صهيونيا لا يمكن التنازل عنه، وبالتالي فإن الكيان لن يسمح قط للولايات المتحدة الأمريكية بتزويد جيش أي بلد عربي، حتى ولو وقّع على وثيقة سلام وتطبيع واعتراف، بسلاح متطور مماثل للذي تبيعه أو تعطيه أمريكا لجيش الكيان الصهيوني. فالتطبيع لن يعنى قط وجود منافس للهيمنة الأمنية والاقتصادية والسياسية الصهيونية على مجمل الإقليم العربي.

عندما ذكرنا في مقال الأسبوع الماضي بأن ثوابت الاحتلال لم تتغيَّر قيد أنملة عبر السبعين سنة الماضية، وأنها لن تتغيَّر فى المستقبل، جاءت التصريحات تلك لتؤكد أنه حتى التغيير المؤقت لتسهيل عملية التطبيع فى الحاضر هو غير وارد على الإطلاق، وأن على المطبّعين أن يدركوا أن عملية التطبيع أو اتفاقيات السلام يضع شروطها ويحدد نتائجها ويرسم حدود مسيرتها الكيان الصهيوني، ولا غير الكيان. حتى الولايات المتحدة الأمريكية، الحليف المسيحي ــ الصهيوني الأصولي، توضع له أيضا حدود فى هذه اللعبة. فالتصريحان موجهان أيضا إلى هذا الحليف المتيم العاشق للمشروع الصهيوني العولمى.

إذن لا نحتاج لتذكير المطبعين بالالتزامات الوطنية والعروبية والإسلامية والمسيحية والإنسانية تجاه الشعب العربي الفلسطيني الشقيق المواجه لأكبر وأحقر جريمة استعمارية استئصالية عرفها هذا العصر، ولا نحتاج للتذكير بمئات القرارات ولا بالمبادرات التي قبلها ووقع عليها المطبعون من قبل. وذلك أن التصريحين يكفيان للتأكيد على أن السلام مع هذا العدو سيبقى وهما ورغبة مفرغة من أي فهم للأيديولوجية الصهيونية الدينية الأساطيري المفترية على التاريخ من جهة، ومن أي تحليل منطقي للمسيرة الدموية المافوية لذلك الكيان عبر سبعين سنة من جهة أخرى.

ويُظهر مرور كل يوم بأن موجة التطبيع ليست أكثر من التفاف حول «صفقة القرن» المقدّسة الشهيرة، بدليل أن أمريكا، بالرغم من انشغالها بفاجعة الكورونا، وبملايين العاطلين، وبالوضع الاقتصادى المتراجع، وبحمى الانتخابات الجنونية، فرَّغت كوشنر ووزير الخارجية ورجالات الاستخبارات ورجالات البيت الأبيض الآخرين للانغماس فى لعبة التطبيع، تصريحات يومية للضغط على المترددين العرب وسفرا محموما إلى العواصم العربية لإنهاء الصفقات قبل الانتخابات الأمريكية. حل الإشكالية الصهيونية لدى القيادة الأمريكية الحالية يعلو على حل الإشكاليات الأمريكية كلها. والسؤال: ما الذى تفرضه موجة التطبيع تلك من مسئوليات وخطوات، سواء بالنسبة للأنظمة الحكومية الممانعة للتطبيع أو بالنسبة للمجتمعات المدنية؟

أما بالنسبة لمثل تلك الحكومات فالأمر بالطبع راجع لها ولإمكانياتها. لكنها ستكون كارثة لو اقتصر رد فعلها فقط على التصريحات الخجولة والتمسك بالقرارات السابقة.

لكن ما يهمنا هو رد فعل الإخوة الفلسطينيين، ورد فعل مؤسسات المجتمعات المدنية العربية.

فلقد قالها الكثيرون بأنه ما لم تؤسس قيادة فلسطينية واحدة، منتخبة ديموقراطيا من كل الفلسطينيين في الداخل وفى الشتات، وبالتالي الخروج من الخلافات والانقسامات العبثية السابقة، فإنهم لن ينجحوا فى تجييش الشعوب العربية للوقوف، قولا وفعلا، ضدً موجة التطبيع. الكرة الآن هي في ملعبهم، وعليهم إتقان اللعبة.

ويبقى الدور الأساسي لمؤسسات المجتمعات المدنية العربية. هنا أيضا قالها الكثيرون، وهى أنه دون قيام جبهة واحدة، مكونة من الأحزاب والجمعيات المهنية والأهلية والنقابات والأفراد المناضلين، لقيادة محاربة التطبيع بألف شكل وشكل، وعلى كل مستوى نضالي، لإفشال كل محاولة صهيونية لاختراق عقول وقلوب الشعوب العربية ولاختراق مؤسساتهم وأسواقهم وأمنهم، إذا لم تقم كذا كتلة فإننا سنظل نراوح فى مكاننا: نمارس الكلام ونقف عاجزين عن الفعل.

* مفكر عربى من البحرين

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"