قلنا في المقال السابق إن هؤلاء قد تجاوزوا آيات محكمات في القرآن، واحتكموا إلى مرويات في كتب التراث، وأحاديث ضعيفة، ونسخوا بها أحكاما قرآنية قطعية الدلالة والثبوت، منها ما يتناقض مع العلم والعقل، وما يتعارض مع القرآن، واستشهدنا في ذلك بحكم من يؤذى النبي بالقول أو بالفعل أو بالرسم أو الشعر، كما جاء حكمه في القرآن: «ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون، فسبح بحمد ربك وكن من الشاكرين»، وتركوا هذا الحكم جانبًا وأخذوا بروايات صادمة تؤذى الله ورسوله والعقلاء من المسلمين، واستندوا إليها فى قتل من سب النبي أو عابه أو ألحق به عيبا أو تمنى له مضرة حتى لو تاب وأناب، واعتبروا قتله واجبا على كل مسلم عاقل مكلف دون استتابة أو توبة، وكان سندهم حكايات في كتب السير والأحاديث منها قتل كعب بن الأشرف، وعصماء بنت مروان، وفاطمة بنت ربيعة «أم قرفة» بأمر من النبي ومباركة منه، ودعائه لمن قام بمهمة القتل، وتهليل وتكبير المسلمين بعد نجاح كل سرية، وحتى يتمكن هذا التراث وهذه الحكايات والمرويات من الدين، فكان رأى أغلب أهل العلم، وحذاق الأئمة والفرق الإسلامية أن «السنة تنسخ القرآن، وأن القرآن في حاجة إلى السنة، وأن السنة ليست فى حاجة إلى القرآن»، ونستثنى من هؤلاء الإمام الشافعي والقليل منهم قالوا «لا ينسخ القرآن إلا القرآن»، والنسخ هو إلغاء حكم شرعي بحكم شرعي آخر. وقد استند أنصار فريق النسخ إلى القرآن ذاته «وليس هذا السند في محله من وجهة نظري»، وذلك بالآية: «وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا»، وللأسف كان سبب نزول هذه الآية لحكم خاص آخر، والآية: «ونزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم»، على أن المراد بالذكر هنا «السنة»، وهو رأى ليس على صواب، فالذكر هو الوحى من عند الله، والآية أيضا: «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم»، والآية مجراها وسردها مختلف تماما، وكذلك اعتبروا أن السنة «وحى من عند الله» لقول الله: «وما ينطق عن الهوى»، وهذا خروج عن السياق القرآني، والمقصود هنا «ما ينطق به النبي عن الله فقط هو الوحى»، وهذه الآيات جميعها تم وضعها فى سياق مخالف لسبب النزول، مما يجعل سندها لهذا الأمر غير جائز، وهذه الأسانيد من القرآن ذاته «التي مالوا إليها» قد شملها تطبيقات عملية نسخوا بها أحكاما في القرآن، على النحو التالي:
أولا: حكم الوصية للوارث، وكان حكمها في القرآن: «كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف»، وقد نُسخت بحديث للرسول: «لا وصية لوارث» ونسخ الحديث الحكم القرآني، على الرغم من فرضه فرضا كالصيام، «كتب عليكم» وهو أمر وإلزام، والوصية كانت للأقربين والوالدين وغيرهم، سواء من الورثة الشرعيين أو غيرهم حسب الحاجة حال حضور الموت أو قبل.
التطبيق الثاني: نسخ آية الجلد «والزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة» بآية أخرى ليست في القرآن «الشيخ والشيخ إذا زنيا فارجموهما البتة»، وقالت السيدة عائشة «إن الداجنة» الماعز «قد أكلت الصحيفة تحت سريرها أثناء انشغال المسلمين بموت النبي»، وأصبح لزاما على المسلم ترك حكم قطعي الدلالة والثبوت في القرآن بحديث ظني الثبوت عن عمر بن الخطاب وهو: «لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل ما أجد الرجم فى كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة من فرائض الله، وإن الرجم حق إذا أحصن الرجل وقامت البينة أو كان حمل أو اعتراف»، فإذا كان ما قاله عمر وعائشة صحيحا، فما منع عثمان بن عفان من كتابتها فى مصحفه، وكان من اللازم أن تكون الرواية قد وصلته من عائشة قبل أن تصل عمر، أو تصله من عمر قبل أن تصل للبخاري؟ فما يا ترى سبب ذلك؟
التطبيق الثالث: نسخ آية الرضاع من عشر رضعات إلى خمس: قالت السيدة عائشة: «إنه كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات يحرمن، ثم نسخن بخمس رضعات معلومات يحرمن»، وتوفى الرسول «ص» وهى «آية العشرة تتلى وتقرأ فيما يقرأ من القرآن»، والأمر يعنى أنه قد خفى على الناس هذا النسخ وهذا الحديث، ولم يصلهم حديث الرسول عن خمس رضعات، فظل الناس يتلون آية العشر ويعملون بها، وتأخر الأمر وتأخر النسخ لعدم علمهم، وهنا يدور كثير من التساؤلات، أهمها: وأين «آية العشرة» التي كانت تتلى على السنة المسلمين بعد وفاة النبي؟ وكان من الحق أن تُنسخ حكما وتبقى تلاوة كما قسموا النسخ إلى أنواعه.
مبدأ نسخ السنة للقرآن أمر عجيب ومحير، فإذا ما عرفنا أن الأحاديث منقولة على المعنى وليس على الحرف، وبعد قرنين من الزمان، والمرويات «الحكايات» عن النبي عن ألسنة البعض قد صُنفت وبوبت أحاديث عنه، يصبح كل ما نراه الآن من قتل ومن غل ومن انتقام، ومن تصفية حسابات، وسفك الدماء عن رسم أو شعر عمل بشرى لا يمت لدين من عند الله بصلة، وأن حكايات كعب بن الأشرف وعصماء بنت مروان وأم قرفة سند هذه الجماعات في قتل من رسم صورة عن النبي على ما نراه الآن، كارثة أحلت بنا وجب الاعتذار عنها، بطول تاريخنا الانتقامي المكذوب.
* كاتب مصري وباحث فى تاريخ الجماعات الاسلامية عضو المجلس الأعلى للثقافة
** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"