يروي الأمين العام الأسبق للجامعة العربية عمرو موسى في كتاب جديد تفاصيل دقيقة عن 10 سنوات قضاها في هذا المنصب، في حقبة مليئة بالتعقيدات والمشاهد المتداخلة.

وكان موسى اصدر الجزء الأول من سيرته الذاتية، تحت عنوان "كتابي" قبل 3 سنوات، وقريبا يصدر كتابه الثاني بعنوان "سنوات الجامعة العربية"، عن "دار الشروق"، ويقع في 19 فصلا، وتنشر صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية، بعضا مما ورد فيه، عن أسرار 10 سنوات قضاها في الجامعة العربية (2001 - 2011).

وتحدث موسى في كتابه عن الأزمة السياسية التي ضربت لبنان، وفي القلب منها واقعة اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في العام 2005.

وفيما يلي مقتطفات مما ورد في الكتاب عن تلك الواقعة:

في 14 فبراير (شباط) 2005 كنت في مكتبي في جامعة الدول العربية أجهّز للسفر إلى عدن لحضور أول انعقاد للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للجامعة العربية خارج مقرها، والذي كان سيفتتحه الرئيس اليمني علي عبد الله صالح. كنت أتابع "قناة الجزيرة" التي أعلنت فجأة وقوع انفجار ضخم في بيروت، وقد يكون أصيب فيه الرئيس رفيق الحريري. تنقلت بين المحطات الفضائية إلى أن وصلت إلى "قناة العربية" وسمعت إعلان مصرع رفيق الحريري، مع 21 شخصا.

اتصلت بمدير مكتبي، وطلبت منه ترتيب سفري إلى لبنان فوراً، واتصلت بوزير الخارجية اليمني أبو بكر القربي وقلت له إنني لن أتمكن من الحضور بسبب ما حدث، وإنني سأتوجه إلى لبنان، واتصل بي بعد قليل الرئيس علي عبد الله صالح، مشدداً على ضرورة حضوري إلى اليمن، قائلا: يا أخ عمرو إيه الحكاية دي؟

قلت له: يا سيادة الرئيس هناك أولويات... سأتوجه إلى بيروت وأعتذر منك.

أرجوك أن تقبل اعتذاري لأن اغتيال رفيق الحريري فاجعة عربية وتطور خطير جداً، ولا بد أن يكون أمين عام الجامعة العربية موجوداً في لبنان.

قال لي بطريقته: لا لا لا ملكش حق. حضورك ضروري.

عندما تعبت من إقناعه، قلت له: على أي الأحوال يا سيادة الرئيس، لن أحضر إلى اليمن اليوم.

سافرت في اليوم ذاته إلى بيروت، ومن المطار إلى قصر الحريري. وجدت نجليه سعد الدين وبهاء. قدمت لهما واجب العزاء، وكان القصر يموج باللبنانيين. كنت أول المعزين من خارج لبنان، وأخذت العزاء معهما أيضاً، وبقيت في القصر حتى ساعة متأخرة من الليل. الطريف في هذا الظرف الحزين، أن أول وزراء الخارجية العرب الذين وصلوا إلى بيروت كان الدكتور أبو بكر القربي، وزير خارجية اليمن الذي لم يحضر أيضاً اجتماع عدن.

في اليوم الثاني، كان تشييع الجنازة، ولم تكن الدولة اللبنانية مستعدة، وبالنظر إلى الوضع الأمني المتفاقم في بيروت في هذا الوقت، وضعني الصديق العزيز الرئيس نبيه بري تحت رعايته الأمنية عبر حراسة مجلس النواب.

كان واضحاً أن بعض أقطاب الطائفة السنية وبعض الأحزاب المارونية وغيرها، يشيرون بأصبع الاتهام إلى سوريا في جريمة اغتيال الحريري. وبعضهم أشار بأصبع الاتهام إلى "حزب الله"، ولكن بالأساس كان الاتهام موجهاً إلى سوريا، فوجدت أن أفضل شيء يقوم به الأمين العام للجامعة العربية أن يسافر إلى سوريا ويتحدث مع الرئيس بشار الأسد.

في اليوم الثالث على اغتيال الحريري، طلبت زيارة سوريا. قالوا لي: تفضل فوراً. توجهت في حراسة شديدة للغاية من قبل الحكومة اللبنانية حتى وصلت الحدود السورية، حيث تسلمني الحرس السوري إلى القصر الرئاسي مباشرة. استقبلني الرئيس بشّار وكان الحديث صريحاً جداً، وما قيل عن أن بشّار كان كثير الكلام قليل العمل ليس بالضرورة صحيحاً.

 

قلت له: يا سيادة الرئيس، إنني جئت من لبنان حيث المشاعر ثائرة بعد ما حدث، وإن مصرع رفيق الحريري لن يمر بسهولة، وإن موضوع الوجود السوري أصبح الآن مطروحاً بقوة، وهناك مطالبة كبيرة جداً بانسحاب القوات السورية، أصحاب هذه المطالب لا يتحدثون من فراغ عن انسحاب القوات السورية، بل يتحدثون استناداً إلى القرار 1559، الذي اتخذه مجلس الأمن في 2 سبتمبر (أيلول) 2004. أنا أنقل هذا الكلام وأسمع اتهامات واضحة لسوريا بمقتل الحريري، ومن ثم فإن الوقت مناسب لإعادة النظر في موضوع الوجود السوري في لبنان للتهدئة وإدخال عناصر إيجابية إلى موقف مليء بالسلبيات.

قال لي: أنا أول رئيس سوري يسحب قوات من لبنان، فقد كان هناك أكثر من 60 ألف عسكري سوري عند وصولي إلى الحكم، خفضت العدد إلى 35 ألف عسكري الآن، ومستعد أن أسحب وسأسحب قوات إضافية، ولا مانع لدي أن أسحب جميع القوات. فسألته: هل أستطيع يا سيادة الرئيس أن أعلن أنك قررت سحب الجيش السوري من لبنان؟

فقال: نعم، تستطيع إعلان ذلك، فأنا قلت لك إنني سأسحب الجيش.

خرجت وأعلنت أن الرئيس بشار الأسد فعلاً قرر سحب القوات السورية، وأنه سيبدأ بهذا قريباً، وأظنني قلت إن ذلك سيتم في إطار وقت محدد. حضر لقائي مع الرئيس وزير الخارجية فاروق الشرع. وتناولت الغداء معه، وكنت كلما أثير الموضوع، لم يكن الشرع يتمادى في الحديث عن سحب القوات. كان يريد تجاهل هذا الموضوع. لم يكن فاروق الشرع مرتاحاً لما قلته لعدد من الصحافيين السوريين من أن الرئيس قرر بدء انسحاب الجيش السوري من لبنان.

غادرت سوريا براً إلى بيروت وعدت بالطائرة إلى القاهرة ووصلتها مساء. فتحت الراديو في السيارة وسمعت على الـ«بي بي سي»: كذّب مسؤولون سوريون ما ذكره الأمين العام لجامعة الدول العربية عن أن الرئيس بشار الأسد تحدث إليه عن سحب القوات من لبنان.

استشطت غضباً، واتصلت فوراً بفاروق الشرع، فسألني: ماذا تريدنا أن نفعل؟

قلت: لقد استمعتَ شخصياً إلى الرئيس بشار وتأكيده بدء سحب القوات وعلى الطريق نحو سحبها نهائياً، وأنه وافق على أن أصرح بذلك. ومن ثم أرجو سحب هذا البيان وتأكيد تصريحي كأمين عام للجامعة بعد لقائي بالرئيس، وتجنب أن ندخل في حرب تصريحات لأنني سوف أصر طبعاً على ما ذكرته بعد اللقاء.

قال: حسناً سأعرض الموضوع على الرئيس.

وبعد دقائق حدثني وزير الإعلام السوري، وقال إن لديه تعليمات بأن يعود إلي لأذكر له ما أريد إذاعته وسيذيعون ما أريد.

كان واضحاً أن الرئيس الأسد أمر بإصدار تصحيح يؤكد أن الرئيس قال هذا الكلام للأمين العام، وهذا شيء مهم يدل على المصداقية، في حين أن المساعدين أو الإدارة السورية حاولت أن تضع غطاء على انسحاب القوات السورية، وربما كانت ضد هذا الانسحاب، إنما الرئيس كان واضحاً في تفكيره وفي حركته، وبدأ فعلاً بتخفيض القوات ثم سحبها كلها.

في تفسيري لدوافع اغتيال الحريري أقول: إنه كان زعيماً قادراً على أداء الزعامة وممارسة القيادة، كما كان ذا هيبة خاصة، سواء في أوساط سنة لبنان أو في الأوساط السياسية والاقتصادية والمجتمعية في لبنان كله، ثم إن وجود رجل في حجم الحريري على قمة الطائفة السنية كان يعني ثقلاً لا يمكن تجاهله في مواجهة ثقل "حزب الله". إن إزاحة الحريري من الطريق كان لحسابات إقليمية بعيدة المدى، ويرتبط بها جزء مهم مما نشاهده في لبنان الآن.