التاريخ يُعيد نفسه .. مقولة شهيرة أثبت الدهر صحتها، فغالبا ما تتكرر الأحداث في سياقات مختلفة وبشخوص مختلفين، فهل تتكرر واقعة "حمارة خالتي" التي حدثت في العام 1962، عبر قصة "دجاجة شرتوني".
القصتان رغم دلالاتهما الساخرة، إلا أنهما يُخفيان مضامين مهمة تتجاوز حدود السخرية.
قصة دجاجة الطفل اللبناني حسين شرتوني (٩ سنوات)، التي شغلت مواقع التواصل الاجتماعي، لم تكن الأولى من نوعها، إذ تتشابه بداياتها، مع قصة "حمارة خالتي"، فهل ستتشابه النهايات؟
الطفل شرتوني، فرت منه دجاجته نحو السياج الحدودي بين بلدته (ميس الجبل الحدودية)، والأراضي المحتلة، فبادرت القوات الإسرائيلية بإطلاق 9 طلقات نحو الطفل الصغير، لمنعه من الإمساك بالدجاجة، التي تخطت السياج، فأسرها جنود الاحتلال.
وفي فيديو، خلال حديث صحفي مع الطفل الشرتوني، روى الواقعة، وأنهى حديثه المؤثر بعبارة: "بدي دجاجتي"، ما أكسبه تعاطف مئات الآلاف الذين تابعوا الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي.
ونال الشرتوني إعجابا لافتا بكلماته الشجاعة، حيث قال: "أريد الدجاجة ولم أخف من جيش العدو بعد إطلاقهم النار".
وقال أسعد خليل الاكاديمي والكاتب اللبناني، المقيم في الولايات المتحدة، في تعليق على حسابه على موقع "تويتر": "دجاجات حسين الشرتوني لا تبيض ذهبا، بل تلد رصاصا ضد الاحتلال"، مضيفا: "لو كان الأمر بيدي لوضعت حسين الشرتوني في المنهج الدراسي، وأزلت منه رجال الاستقلال". وقال في تغريدة أخرى: "لو كان الأمر بيدي، لوضعت دجاجة حسين الشرتوني على العلم اللبناني، بدلا من الأرزة".
وكتب مغردون عبر تويتر: "الذي لا يتنازل عن دجاجه لا يمكن أن يفرط بوطن شكرا لهذا الشبل الجنوبي الذي لم يخف من الدبابات ومن يحتمون بها وقدم درسا في الكرامة والوطنية".
وتبرع لبنانيون بعدد من الدجاجات للطفل حسين الشرتوني، حتى أنه امتلك مزرعة دجاج، بدلا عن دجاجته الأسيرة.
تلك بداية القصة فقط، فهل تكتمل فصولها، كما حدث في العام 1962، في واقعة "حمارة خالتي"، التي تم توثيقها في سجلات قوات الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان، في يوليو من العام 1962، وبسببها عُقدت مفاوضات مارثونية.
السجلات تقول إنه في العام 1962، وقبل أن يوضع السياج الفاصل بين كفركلا وفلسطين المحتلة، دخلت "حمارة خالتي" الأراضي المحتلة، واختفت وغابت عند "الإسرائليين" لمدة سنة تقريبا، ثم عادت بعد فترة وحدها، وهى تجر عربة (حنطور)، واتجهت صوت منزل خالتي، وإذا بدرك المختار ورئيس البلدية وقوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة، يداهمون المنزل مطالبين خالتي بتسليم الحمارة لأنها كانت تحمل في أحشائها جحشا من "حمار إسرائلي"، ورفضت خالتي تسليم حمارتها وعلا الصراخ في البلدة.
وبعد أخذ ورد مع جيش الاحتلال من خلال مندوبي الأمم المتحدة، تم الاتفاق على أن تعود الحمارة الى "إسرائيل" لتلد هناك بناء على طلب حكومة الاحتلال، وبعد ذلك تعود بمفردها، وتم توقيع اتفاقية بذلك الأمر، بحيث تعود الحمارة إلى صاحبتها، ويبقى المولود في الكيان الصهيوني.
وبعد ثلاثة اشهر، فرت الحمارة من "إسرائيل" مرة ثانية (بدون تنسيق)، وعادت إلى كفركلا، ولكن هذه المرة تجر خلفها العربة، ويركض بجوارها صغيرها (الكُر).
وبعد ساعات، إذا بقوات الدرك والبلدية والمختار والأمم المتحدة، تحضر إلى منزل "خالتي" مُجددا، وتطالبها بتسليم الكُر، الذي لم يترك أمه إلا بعد محاولات مكوكية، انتهت بقيام قوات الارتباط بربطه وتحميله في شاحنة عسكرية إلى مركز المراقبة في الناقورة، ومن هناك عاد إلى الكيان الصهيوني.
تلك الواقعة، التي تعامل مع الاحتلال على مجمل الجد تحمل رسالة بالغة الدلالة، فالمُحتل الذي خاض مفاوضات وجولات من أجل "كُر"، هل سيترك طوعا أرضا اغتصبها كُرها؟