الإفلاس السياسي هو جزء من واقع الحال السائد في الأردن وفلسطين ومعظم دول العالم العربي. أسباب الافلاس والسقوط السياسي وإن تبدو متباينة في ظاهرها إلا أنها متقاربة جداً في أصولها وتعود بشكل عام الى الاستبداد والفساد وحكم الفرد ، وهي صفات تشترك فيها معظم الأنظمة العربية تقريباً .

أمر العرب عجيب في سعيهم الى تصديق ما لا يمكن تصديقه ، والقبول بما لا يمكن للعقل السوي القبول به من تفسيرات وتأويلات واجتهادات . فمثلاً لماذا إضاعة الوقت بمناقشة مواضيع لا قيمة لها مثل الأداء الحكومي لحكومة لا تملك من أمرها شئياً ، أو مناقشة ما هو متوقع من رئيس حكومة لا يعلم لماذا جاء ولا يعلم متى ولماذا يذهب . مَنْ يحاسب مَنْ في أي دولة تفتقر أصلاً الى الشفافية ولا يحاسب فيها أحد أحداً آخر إلا بإرادة شخص واحد فقط.

من مظاهر الافلاس هي قدرة الحاكم الفرد على تحريك الشارع السياسي في البلد التي يحكم إما من خلال رسالة كما هو الحال في الأردن ، أو بقرار "رئاسي" كما هو الحال في فلسطين ، أو بإعتبار العدو الاسرائيلي طوق نجاة من الغرق كما هو الحال بالنسبة لبعض الأنظمة العربية الأخرى .

يعود قرار محمود عباس بإجراء انتخابات فلسطينية في أصوله الى نفس الأسباب التي أدت الى اصدار ونشر الرسالة الملكية الى مدير المخابرات العامة الأردنية . فكلا الخطوتين لا تهدفان الى مصالحة الداخل الفلسطيني أو اصلاح الداخل الأردني بالتتالي بقدر ما تهدفان الى إرسال إشارات خارج الوطن تهدف الى التزلف وكسب الرضا الأمريكي من خلال الاقتراب من مفاهيم الادارة الأمريكية الجديدة في التأكيد على وجوب احترام النهج الديموقراطي وحقوق الانسان والالتزام بها . ما يجري هو في أصوله حملة علاقات عامة تهدف الى تسويق السلطة الفلسطينية والأردن وازالة ما علق بهما من شوائب الاستبداد والتفرد بالسلطة والمحسوبية والاستزلام والفساد على حساب حقوق المواطنة وأولوياتها . فكلا النظامين الفلسطيني والأردني مأزومان بحكم واقعهما الاستبدادي الذي يتجاهل حقوق مواطنيه ولاً يعطي أي اهتمام للدستور أو القانون إذا كان يتعارض مع رغبة الحاكم في أي لحظة .

محمود عباس يرأس السلطة الفلسطينية ويحكم الشعب الفلسطيني بلا شرعية بل بحكم الاستمرار وقوة الاستبداد والدعم الاسرائيلي ، في حين أن من يقرأ الرسالة التي وجهها ملك الأردن الى مدير المخابرات العامة يخرج بالانطباع الغريب العجيب وكأن مدير المخابرات العامة كان يتصرف على هواه وبقرار ذاتي يسمح بموجبه لدائرته بتجاوز صلاحياتها والتدخل في شؤون الدولة ومؤسساتها الدستورية وحياة مواطنيها وكل شاردة وواردة في الدولة بما في ذلك الانتخابات النيابية إلى أن اكتشف الملك فجأة ما يجري ووَّجه له تلك الرسالة !!

إن الظروف التي أحاطت بالانتخابات النيابية الأردنية الأخيرة وما رافقها من ممارسات الأجهزة الأمنية وما تمخض عنها من نتائج ليست ببعيدة عن الظروف التي تحيط الآن بالدعوة الى الانتخابات الفلسطينية والنتائج المرجوة منها ، وإن كان الرهان في الانتخابات الأردنية على إدارة أمريكية وَلَّت ، وفي الانتخابات الفلسطينية القادمة على ادارة أمريكية جديدة . القوة المحركة في كلا الحالتين  جاءت من خارج الوطن وليس من داخله ، والهدف من إجراء الانتخابات يبقى مرتبطاً بقوى خارجية وليس بمتطلبات داخلية .

مع أن الاسباب وراء الدعوة الى الانتخابات الفلسطينية هي في أصولها نفس الأسباب التي أدت الى كتابة ونشر الرسالة الملكية الى مدير المخابرات العامة الأردنية إلا أن كلا الموضوعين هما في الحقيقة وكما أوضحنا جزأً من حملة علاقات عامة تهدف الى إرسال إشارات إلى الإدارة الأمريكية الجديدة . وكلا الطرفين الاردني والفلسطيني يهدفان الى تأكيد النية والاستعداد للاقتراب من رؤية الادارة الأمريكية الجديدة في معظم الامور بما فيها احترام مفاهيم الديموقراطية وحقوق الانسان حتى ولو كان ذلك شكلاً وليس موضوعاً . الاستعداد للإنصياع وليس الانصياع الكامل هو في صلب الإشارات الأردنية والفلسطينية الى الادارة الأمريكية الجديدة . وهذا الموقف لا يعكس وطنية النظام المعني في حال رفضه للإنصياع الكامل بقدر ما يعكس محاولة لئيمة للإحتفاظ بمكاسب عهد الاستبداد وعدم التخلي عنها بسهولة لإرضاء الادارة الأمريكية ، حنى ولو كان ثمن ذلك إنصياعاً اردنياً وفلسطينياً فيما يتعلق بالقضايا السياسية الاقليمية الهامة والخطيرة كثمن لتغاضي أمريكا جزئياً عن بعض القضايا المتعلقة بالديموقراطية وحقوق الانسان والحريات على أن لا تكون مرتبطة بالسياسات الاقليمية الهامة من وجهة النظر الأمريكية .

الانتخابات الفلسطينية والرسالة الملكية تطمحان الى غسل ما علق من شوائب الاستبداد والفساد في كلا البلدين . وتبقى الحقيقة المرَّة أن لا إصلاح حقيقي قادم في الأردن وانما عمليات  تجميل فقط ، ولا مصالحة فلسطينية تمهد للانتخابات إلا اذا كانت ستؤدي الى احتفاظ فتح بالسلطة في الضفة وحماس بالسلطة في غزة أي تكريس الانفصال الفلسطيني واضفاء الشرعية الانتخابية عليه ، وبخلاف ذلك لا مصالحه ولا انتخابات .

الأولوية المطلقة هي مصلحة الأنظمة وليس مصلحة الشعوب .

هذه هي حقيقة الأمور ، وبخلاف ذلك فهو الوهم .

* مفكر ومحلل سياسي

[email protected]

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحياة"