كل التطورات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية الجارية الآن تؤكد ان عالما جديدا متعدد الأقطاب قد ولد لمنافسة الامبراطورية الامريكية. فما نشهده هذ الأيام يعكس هذه الحقيقة والتي نراها من خلال افتعال نزاعات إقليمية وحروب اهلية وحصارات اقتصادية ومالية لإعاقة تقدم دور روسيا والصين في عالم جديد متعدد الاقطاب، رغم التغني الغربي بحقوق الانسان والحريات والليبرالية الاقتصادية والمصرفية.
من يتابع الاعلام الغربي في هذه الايام يرى التناغم الانضباطي التام في إدانة ردة الفعل الروسية الدفاعية على استمرا ر حصارها لسنوات بقيادة لولايات المتحدة، من خلال محاولة ضم المزيد من الدول المجاورة لروسيا ومن الاعضاء السابقين في حلف "وارسو" إلى الحلف الاطلسي، إضافة الى تشجيع وتمويل اليمين المتطرف والنازية الجديدة لاحياء العداء ضد روسيا الأرثودكسية وتعميق الكراهية العنصرية ضد "العالم الشرقي" عموماً.
الايجابية الوحيدة في هذه الشراسة هي وضوح تحالف الصهيونية مع الغرب الاستعماري وتأكيد الجذور العميقة للصهيونية في أوكرانيا، فاضحاً الادعاءات بالجذور السامية لليهود الغربيين وهو المنطق الاستعماري الذي ما زال يستعمل لتبرير استعمار فلسطين.
إن تحالف النازية الجديدة مع الصهيونية يسقط كل المحاولات الجادة الاسرائيلية لخلق "التيار الابراهيمي" كقاسم مشترك بين الدين اليهودي و" الاسلام "المتحالف مع الغرب، وهي محاولة أخرى لزج البعد الديني بمحاولة تلويث الفكر الاسلامي المعتدل ولطمس الحقوق الفلسطينية بالتعاون مع أطراف فلسطينية وعربية.
الاستمرار في اخفاء الحقائق وتزوير وفبركة الاحداث
يصف الاعلام الرأسمالي الخطوة الاحترازية الروسية بالاجتياح والاحتلال لاوكرانيا النوويه التي يرأسها، كما يرأس مجلس الوزراء فيها، من حملة الجنسية الاسرائيلية، متناسين عن قصد دعوات روسيا المتكررة منذ العام ٢٠١٤ لجعل أوروبا خالية من السلاح النووي والبيولوجي، فالجذور الاقتصادية والسياسية للاعلام الغربي تؤكد مواكبته المطيعة العمياء لآلة الحرب الغربية، جاعلاً الحقيقة هي الضحية الأولى فيما يحدث، وحيث الأخبار المفبركة هي السلعة اليومية التي يتم تسويقها.
إن أسلوب المصنف "ارهابي" في مقاومة الاجتياح الامريكي والصهيوني في بلادنا، تحول الى سلوك بطولي مقاوم" للاحتلال" الروسي في اوكرانيا، بينما يواصل "الداعشي" في هدم النسيج الوطني ويستفيد الغرب من شيطنتهم للاسلام الوسطي المعتدل.
دفاع عن النفس ام اجتياح؟ ام صراع حضارات؟
لا يمكن إنكار الجذور والروابط التاريخية بين روسيا واوكرانيا، والتي كانت جزءاً من الاتحاد السوفيتي، كما لا يمكن تجاهل الأحداث التاريخية خلال الحرب العالمية الثانية عندما حارب قسماً من الاوكرانيين مع النازية كما تحالف سكان سلوفانيا مع إلمانيا هتلر.
إنّ هذه الحقائق الجارحة لروسيا، الاتحاد السوفيتي سابقاً، والتي دفعت عشرات الملايين من الشهداء خلال الحرب العالمية الثانية دفاعاً عن ارضها، مازالت بارزة في الضمير الروسي الذي لن يرض بان يعيد التاريخ نفسه من خلال امتداد الحلف الاطلسي ليضم اوكرانيا وغيرها لفرض الحصار العسكري والاقتصادي ولمنع التقارب الروسي الالماني، وكذلك من أجل خلق تصدع في التحالف الروسي مع الصين.
إنّ الولايات المتحدة الامريكية التي تعهد وزير خارجيتها، بعد انهيار الإتحاد السوفياتي، بعدم التوجه شرقا،لم تحترم هذا التعهد ليضاف ذلك الى عشرات التعهدات الأميركية الاخرى التي بقيت حبراً على ورق كما هي التجارب الأميركية في العالم العربي.
إنّ الموقع القطبي الاحادي الذي احتلته الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومخاوفها من قيام روسيا قوية من جديد، جعل واشنطن تحرص على إفشال أي تقارب أوروبي مع روسيا وبالأخص بين المانيا الموحدة وروسيا التي تعلمت من تجارب الاتحاد السوفياتي وقررت الانفتاح على اوروبا الغربية وخلق مصالح مشتركة بعيدا عن العقائدية المتحجرة. فلقد رحبت روسيا بتوحيد المانيا وبإصلاح اقتصاد المانيا الشرقية كما رحبت ب.
لم يرض هذا التقارب الروسي مع أوروبا الولايات المتحدة ، فلقد كان الهدف الأميركي عقب سقوط الاتحاد السوفياتي هو تعزيز أحادية السيطرة الأميركية على العالم. ولقد استعملت الولايات المتحدة كافة الوسائل والحوافز الاقتصادية والمالية لجذب دول اوروبا الشرقية نحو النظام الراسمالي وللإنضمام للحلف الاطلسي العسكري.
كان الهاجس الامريكي ولم يزل التصدي لأي تقارب بين المانيا الموحدة وروسيا. لذلك إعتبرت واشنطن أن مشاريع تزويد الغرب الأوروبي بالغاز الروسي بأنها وسيلة للسيطرة على أوروبا، ولقد أرعب الولايات المتحدة أيضا التحالف بين روسيا والصين لأنها رأت فيه نواة لنظام عالمي متعدد الاطراف يقضي على هيمنتها الأحادية ويشكل خطرا على وجودها ومصالحها في آسيا.
إن صعود الصين إقتصاديا وعسكريا وتحالفها مع روسيا يقلق الولايات المتحدة كثيراً، مثلما أثار مخاوفها الغاز الروسي والبترول العربي.
لاشك أن تعاطي واشنطن الشرس واللااخلاقي مع الوضع في أوكرانيا لا يختلف عن ممارساتها في ليبيا والعراق وسوريا واليمن ولبنان، حيث وظّفت ودعمت الإرهاب لتفتيت النسيج الوطني ونهب موارد هذه الدول.
لايمكن أن نغفل تزامن هذه التطورات مع صعود في شعبية اليمين العنصري في أوروبا وفي الولايات المتحدة وفي ازدياد العداء للإسلام، الأمر الذي ساهم فيه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، والذي أججته إسرائيل التي نجحت في تسويق فكرة الحضارة اليهودية/المسيحية الغربية وضرورة محاربة الإسلام الجهادي من أجل طمس وتهميش القضية الفلسطينية وإظهار إسرائيل كمدافع عن الحضارة الغربية. لكن هذه الاستراتيجية تناست أن جذور اللاسامية هي في العالم الغربي الكاثوليكي، والتي أساسها هو التناقض الكامل بين اليهودية التي لم تعترف بالسيد المسيح، عليه السلام، والمسيحية الأوروبية الغربية التي حمّلت اليهود مسوولية صلب السيد المسيح.
ان التحالف الغربي مع الصهيونية العالمية ضد المسيحية الشرقية وضد الإسلام، يحمل جذور اللاسامية التي مارستها الكنيسة الكاثوليكية في قرون سابقة، والتي دفع المسلمون واليهود ثمن وحشيتها لعصور طويلة وأدّت إلى هروب يهود اسبانيا نحو المغرب العربي ونحو الدولة العثمانية.
إن التوسع الغربي العسكري من خلال إدخال بلدان اوروبا الشرقية في الحلف الاطلسي هو انعكاس لعنصرية غربية ترفض التعايش وتهدف للسيطرة الاستعمارية على العالم، فمن متابعة تطورات انفصال الكنيسة الاورثوذكسية الأوكرانية عن سلطة الكنيسة الروسية يظهر البعد الاخر للهجمة الامريكية، وهو منع روسيا من تزعم عالم اورثوذكسي موحد، تماما كما نجحت واشنطن في شرذمة الدول الاسلامية من خلال نشر التطرف والارهاب وتكريس الخلافات الطائفية والمذهبية في العالم الإسلامي.
ما نراه اليوم من شراسة في الحملات ضد التدخل الوقائي لروسيا في اوكرانيا، عبر التحالف الخفي بين المسيطرين على الاعلام وعلى المصارف والمنظمات الدولية الاقتصادية والسياسية وحتى الرياضية والجمعيات غير الحكومية. من أجل شيطنة روسيا وجعل هذه الحملات بمثابة المسلك العنصري والذي يتجانس مع النهج العنصري لليمين الغربي وللمنظمات النازية المدعومة من النظام الاواكراني الحالي.
إنّ بعض معالم العالم الجديد المتعدد الاقطاب سيتحدد بالاتفاق المنتظر بين روسيا وأوكرانيا والحلف الاطلسي حول حقوق روسيا في منع امتداد الحلف على الحدود الروسية.
ماذا عن عالمنا العربي وشعوبه؟
يجب أن لا نتجاهل أهمية القومية العربية اللاعنصرية واللاقبلية وأولوية تحرير الإنسان العربي من الفقر والجهل ، وكذلك التحرر من العبودية لحكومات تنفذ إملاءات الغرب الذي يحمي وجودها، و كذلك التأكيد على دور الدين والمبادئ الروحية والاخلاقية في حياتنا.
لا مفر من ضرورة استعادة حقوقنا في مواردنا الطبيعية وتعزيز المشاركة في الحكم وبناء المؤسسات السليمة وفصل السلطات، فتنمية إنساننا وأوضاعننا ومواردنا لا بديل عنها لكي نستطيع ان نتفاعل مع دول العالم وأحداثه باستقلالية تحفظ كرامتنا وحقوقنا المشروعة.
إنّ التحرر من الجهل والقبلية يتطلب وجود أطر دستورية وقانونية يحترمها الجميع، كما يوجب وجود عدالة اقتصادية واجتماعية هي مفقودة اليوم، ولا يمكن أن يتحقق ذلك ونحن فيما بيننا نتشرذم ونتصارع ونخدم المحتل!.
* إقتصادي لبناني مقيم في واشنطن
** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحيــــاة"