لازلت أحاول الاجتهاد بين الحين والأخر وأتساءل بكل مصداقية وشفافية وحسن نية عن الأسباب المرتبطة باستمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية ، ولعل الكثيرين المتابعين لهذه القضية يتسائلون بدورهم لماذا أثير هذا الموضوع الآن بل ويرون فى التساؤل الذى أطرحه قدراً كبيراً من السذاجة والسطحية خاصة وأن هذا الإحتلال قد مر عليه أكثر من نصف قرن حدثت خلاله العديد من المتغيرات على الأرض وعلى المستويات المحلية والإقليمية والدولية وفرضت سياسة الأمر الواقع نفسها وأصبح الجميع يتعامل مع هذه القضية في إطار ما يسمى بإدارة الصراع وليس حله .

ومن المؤكد أن استمرار تجاهل القضية الفلسطينية والتعامل معها من واقع بيانات صادرة تؤيد مواقف أو تشجب سياسات وكذا مبادرات مطروحة لا يكتب لها النجاح ولا يتم تنفيذها أو لا ترى النور من الأساس ، كل هذا يشجع إسرائيل على مواصلة احتلالها وزيادة وتيرة تهويد ما يمكن أن تصل إليه من أراض فلسطينية لم ولن تكن فى يوم من الأيام من حقها فى الماضي أو الحاضر أو المستقبل ، وأن المفاوضات هى وحدها التى سوف تحسم الحدود النهائية لكلتا الدولتين .

وقد تكون محاولة إعادة الضوء إلى القضية الفلسطينية وتنشيطها بين الحين والآخر حتى من واقع كتابة بعض المقالات التى ترتبط  ببعض الأحداث التى تشهدها المناطق الفلسطينية سواء فى الضفة الغربية أو القدس الشرقية أو قطاع غزة أمراً مقبولاً رغم أنه أضعف الإيمان ، إلا أن المطلوب أصبح يفوق ذلك بكثير حيث يجب أن تتضافر كل الجهود الممكنة على أى مستوى حتى تظل هذه القضية العربية المحورية حية وحتى يمكن أن نصل إلى حلول سياسية تمنح الفلسطينيين كافة حقوقهم المشروعة وفى نفس الوقت تمنح لإسرائيل الأمن الذى من المؤكد أنه لن يكتمل إلا بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة .

وإذا كانت الأوضاع الحالية تشهد توتراً ملحوظاً فى ضوء اعتزام إسرائيل تنظيم ما يسمى بمسيرة الأعلام يوم 29 مايو الجاري تلك المسيرة التي ينظمها المتطرفون والمستوطنون تحت رعاية وحماية ودعم الحكومة الإسرائيلية وسوف تمر عبر بعض أحياء مدينة القدس الشرقية حتى تصل إلى حائط البراق ، فإني أرى أن هذه المسيرة الخطيرة ليست سوى إجراء محدود للغاية فى إطار منظومة أكبر وهى إعتزام إسرائيل فرض مزيد من سيادتها ليس فقط على القدس الشرقية ولكن أيضاً فرض سيادتها على المسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين وثالث الحرمين وهذا هو مكمن الخطورة فى الإجراءات الإسرائيلية المتدرجة .

ومن ثم أرى ضرورة أن ينتقل الاهتمام بموضوع تلك المسيرة  – وهو إهتمام مطلوب وضروري وعاجل – إلى اهتمام فلسطيني وعربي وإسلامي ودولي أكبر من حيث الشكل والمضمون يبحث مرة أخرى فى كافة جوانب القضية الفلسطينية ولا يترك كرة الثلج تتدحرج حتى تصل إلى مرحلة الانفجار التى أرها قادمة حتى لو تأخرت وذلك فى ظل استمرار هذا التراكم والتعسف من الإجراءات الإسرائيلية المتشددة تجاه الفلسطينيين من قتل واعتقال واعتداء على المقدسات واستيطان أعمى ومزيد من تأجيج المشاعر وزيادة كافة معانى الكراهية والانتقام وفقدان الأمل فى المستقبل .

وفى هذا المجال أود أن أوجه عشرات الأسئلة إلى القيادة الإسرائيلية الحالية ولكنى سوف أكتفى هنا بستة أسئلة فقط:

السؤال الأو : هل دوامة العنف الدائرة الآن في المناطق الفلسطينية والتي من المتوقع أن تزداد وتيرتها خلال المرحلة المقبلة وما يترتب عليها من خسائر وضحايا من الجانبين تعتبر مرضية ومقبولة ومطلوبة لقيادة وأعضاء الحكومة؟ .

السؤال الثاني : هل الهدف الذى تسعى إليه حكومة “نفتالى بينيت” هو إقامة علاقات سلام وتطبيع مع الدول العربية فقط مع إستثناء الفلسطينيين أصحاب الحق من هذا السلام ؟ .

السؤال الثالث: هل تعتقد إسرائيل أن اتفاقات السلام مع الدول العربية تكفي وحدها لتأمين وجودها ومصالحها فى المنطقة؟ أو أن هذه الدول العربية سوف تصمت على هذا الوضع المتردي فى القدس والضفة الغربية؟ .

السؤال الرابع: هل تعتقد إسرائيل أن الشعب الفلسطيني قد إرتضى بالوضع القائم وأصبح متوافقاً أو متعايشاً مع احتلال أراضيه وحرمانه من إقامة دولته المستقلة؟ وأن هذا الإحتلال سوف يستمر إلى مالانهاية ؟ .

السؤال الخامس: هل ترى إسرائيل أن القيادة الفلسطينية القادمة فى مرحلة ما بعد رجل السلام الرئيس أبو مازن سوف تكون أفضل بالنسبة لهم سياسياً وأمنياً ؟ وهل سيقبل أي قائد فلسطيني وطني التنازل عن أى من الثوابت المعروفة؟.

السؤال السادس: هل تراهن إسرائيل على أن عامل الوقت سوف يكون فى صالحها سواء فى الضفة الغربية أو القدس أو قطاع غزة أو حتى بالنسبة لأوضاع عرب 48 ؟.

وفى رأيي أن القيادة الإسرائيلية فى حاجة ماسة إلى أن تراجع مواقفها وسياساتها وأن تحاول الإجابة بصدق عن هذه الأسئلة السابقة التى من المؤكد أنها جميعها تحاول أن تمنع إنفجاراً مريعاً يمكن أن يحدث فى أى وقت وأن هذا الانفجار لن يكون فى صالح أى من الأطراف ، وبالتالي أتمنى أن تقف القيادة الإسرائيلية مع نفسها ولو مرة واحدة وعليها أن تبتعد عن التشدد والمكابرة وتبدأ فى التفكير الجدى نحو حل القضية الفلسطينية بما يحقق أمن وإستقرار كافة الأطراف والمنطقة كلها من خلال المفاوضات .

وإذا كانت إسرائيل ترى فى الدولة الفلسطينية – التي يطالب بها المجتمع الدولي بلا إستثناء – تهديداً لأمنها فإنى أطالب القيادة الإسرائيلية الحالية بأن تطرح ولو لمرة واحدة رؤيتها الرسمية لحل القضية وكيفية تأمين حدودها وكيف يمكن ألا تكون الدولة الفلسطينية مصدراً لتهديد وجودها، ومن المؤكد أنه فى حالة إستئناف المفاوضات فإنها سوف تكون قادرة على أن تبلور كافة الضمانات الأمنية ليس لإسرائيل وحدها ولكن للدولة الفلسطينية أيضاً ، وآمل أن نبدأ عملية تفاوضية جديدة ثم نرى نتائجها .

وبالتالى فإن مسألة إستمرار الاحتلال الإسرائيلي ومواصلة القوات الإسرائيلية عمليات إقتحام المدن والمخيمات الفلسطينية والقيام بعمليات قتل وهدم منازل واعتقال بدون رقيب أو حسيب لن تستمر إل الأبد ، الأمر الذى يفرض على القيادة الإسرائيلية التفكير الجدى لوقف كافة هذه الإجراءات وبدء مفاوضات سياسية من أجل حل القضية الفلسطينية ، كما أن عليها التخلي عن فكرة تثبيت الوضع القائم والاكتفاء بإتفاقات التطبيع العربي حيث أن التاريخ سوف ينصف الفلسطينيين وسوف تكون لهم دولتهم المستقلة مهما طال أمد هذا الاحتلال .

وفى الوقت الذى أطالب فيه القيادة الإسرائيلية بضرورة مراجعة مواقفها فإني أطالب القيادة الفلسطينية أيضاً بمزيد من التحرك الإقليمي والدولي من أجل ممارسة أية ضغوط على إسرائيل حتى وإن لم تعبأ بها ولكن على الأقل تشعر أن الدول العربية أساساً والمجتمع الدولى لن يتخلى عن هذه القضية وسيظل حريصاً على أن تظل أحد أهم محاور تحركاته السياسية ، كما يجب على القيادة الفلسطينية أن تكون رسالتها التى توجهها للعالم فى هذا التوقيت أنها تقوم بعملية ترتيب البيت الفلسطيني قدر المستطاع ولاسيما استئناف جهود المصالحة رغم تقديري بصعوبة هذا الأمر ولكن فى كل الأحوال لابد من إستمرار الحركة الفلسطينية وألا تهدأ جذوة تحرك مابعد استشهاد الإعلامية المخضرمة شيرين أبو عاقلة.

وفى ضوء ما سبق فإن إسرائيل سوف تكون هى المسئول الأول عن أى تصعيد يمكن أن يحدث فى الأراضي الفلسطينية أو حتى داخل إسرائيل نفسها وذلك إرتباطاً بما تقوم به من سياسات متشددة فى المناطق الفلسطينية وخاصة تجاه المسجد الأقصى وتضرب بعرض الحائط كافة القرارات والقوانين والإتفاقات ولا تعبأ إلا بمواقفها ومصالحها وتحقيق أهدافها فقط .وفى النهاية سواء تمت مسيرة الأعلام الإسرائيلية أو لم تتم وسواء تم تغيير مسارها أو لم يتغير فإن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بما فيها حكومة “بينيت” الهشة لاتزال تسكب الزيت على النار ، ولكنها يجب أن تعلم أنها لا يمكن أن تقف فى وجه حكم التاريخ وأن تمنع قيام الدولة الفلسطينية التى سوف تقام مهما طال أمد هذا الاحتلال الإسرائيلي وبالتالي أتمنى أن يأتي القرار الإسرائيلي السليم مبكراً حتى يوفر على الجميع ضحايا ومشكلات لن تكون فى صالح أحد ويعيد إلى المنطقة أمنها واستقرارها.

 

* نائب المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحيــــاة"