تجتذب الطبيعة الساحرة لمقاطعة "أغدام" في اقليم "قره باغ" في غرب أذربيجان، أنظار الزوار الذين يفدون إليها، وترصع هذه المناظر الجذابة التي تمتد على مدى مساحة نحو 1150 كيلومترا وكان يسكنها نحو 204 آلاف نسمة، مشاهد مؤلمة تذكر بالتاريخ الدامي لهذه المنطقة التي عصفت بها الحرب على مدى أكثر من ثلاثة عقود حولها خلالها الاحتلال الأرمني إلى ما يشبه مدن الأشباح، إذ تنتشر فيها المقابر الجماعية، وتُقطع أوصالها "مزارع الألغام"، ويشوهها الدمار الذي خلفته الحرب، ويؤرقها التهجير.
لا يختلف حال مدينة شوشا التي تقع في منطقة مرتفعات "قره باغ" عن "أغدام" ، سهولها تسر الناظرين، وبحيراتها متعة للزائرين، وآثارها تُخلد السابقين، لكن حجم الدمار الذي خلفته القوات الأرمينية في المدينة يؤكد أن أي احتلال لا يأبه لا بتاريخ مضى ولا مستقبل آت، وأن رفيق الاحتلال دوما هو الخراب.
وتاريخيا، وضع قرار، رئيس الاتحاد السوفيتي السابق جوزيف ستالين، جعل منطقة مرتفعات قره باغ، مستقلة ذاتيا عن أذربيجان السوفيتية، بوادر النزاع، الذي اندلع في العام ١٩٨٨ حين طالب سكان الاقليم من الأرمن نقل سلطته من اذربيجان السوفيتية، إلى أرمينيا السوفيتية، ليتحول النزاع إلى حرب شاملة، والاقليم معترف به دوليا من الأمم المتحدة، كجزء من أذربيجان، وفقا للقانون الدولي.
زارت "الحياة واشنطن" مقاطعة "أغدام" ومدينة "شوشة" في أذربيجان ضمن جولة في المناطق المُحررة من الاحتلال الأرمني، وآخرها كان مدينة لاتشين ومحيطها، التي بسطت أذربيحان سيطرتها عليها الشهر الماضي، تنفيذا لاتفاق ثلاثي مبرم بين باكو وموسكو ويريفان، في 10 نوفمبر / تشرين الثاني 2020، أعقب انتصار القوات الأذرية على نظيرتها الأرمينية في إقليم (ناغورني كاراباخ).


أذربيجان الدولة، التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي السابق، ظلت على مدى ثلاثة عقود تستعد لتخوض حربا لتحرير أراضيها من أرمينيا، ولما تحقق الهدف في العام 2020، صدمها كم حجم الدمار الرهيب في مدن ومقاطعات "قره باغ"، إذ حولها الاحتلال لمدن أشباح بفعل سياسات التطهير العرقي التي مارسها لتهجير السكان الأصليين وإبدالهم بأرمن في بعض المدن، وإتباع سياسة "الأرض المحروقة" في مدن أخرى.


في "أغدام" و "شوشة" تنتشر المقابر الجماعية، وشواهد ضحايا الحرب، الذين خُلدت أسماؤهم في تاريخ بلدهم، المقاطعة والمدينة بيوتها مُهدمة، ومناطقها الأثرية مُدمرة، وكنائسها خربة، ومساجدها الكُبرى المبني بعضها في سهول ممتدة، حُولت إلى حظائر حيوانات، للمواشي وتربية الخنازير، إمعانا في الإساءة المتعمدة، ولإيذاء مشاعرشعب غالبيته مُسلم يعتنق المذهب الشيعي، الأمر الذي يدلل على عمق الحقد وكم الكراهية في قلوب من ارتكبوا هذه الأفعال الشائنة.
حتى المقابر نُبشت والجثامين مُثل بها طمعا في أسنان ذهبية ربما تكون زُرعت للمتوفى، أو حتى لنثر أجزاء من الجثة الواحدة في أكثر من مقبرة، لتعقيد تحديد هوية القتلى.



ورغم حجم الدمار الهائل الذي خلفه الاحتلال، إلا أن أكثر ما يؤرق المسؤولين الآذريين، هو مصير المفقودين، الذين يبلغ عددهم نحو 4000 شخص، فضلا عن مزارع الألغام التي تحيط بالمدن، فعند مدخل كل مدينة، زرع الاحتلال نحو 5 كيلومترات بألغام، وترفض أرمينيا منح أذربيجان خرائطها من أجل تطهير الأرض تمهيدا لإعمارها.
وأكثر ماهو حاضر في وجدان من زارها من الذين يغامرون بالقدوم إليها هو الكم الهائل والمخيف من حقول الألغام التي تنتشر في اتجاهات مختلفة.
وبالرغم من أن القوات الأرمنية انسحبت منها ، إلا أن تواجدها فيها منذ تسعينيات القرن الماضي حولها إلى مايشبه مدينة الأشباح، فيما تنتشر وسطها مشاهد الدمار الذي خلفته الحرب ، وهي مشاهد أعادتني بالذاكرة إلى مخيمي صبرا وشاتيلا ، حينما زرتهما عقب المجازر التي تعرضا لها عام 1982.
وتُقدر السلطات الآذرية عدد الألغام المزروعة في "قره باغ" بنحو مليون لغم. وقال عضو طاقم التمثيل الخاص لرئيس الجمهورية الأذريبجانية في الجزء المحرر من منطقة "قره باغ" الاقتصادية، أراز إمانوف، لوفد من الصحافيين زار مناطق مُحررة بينهم "الحياة واشنطن"، إنه بعد هزيمة أرمينيا المهينة أمام آذربيجان أصبحت هذه المناطق مليئة بالألغام، التي يتكلف نزعها تماما مليارات الدولارت وستستغرق العملية نحو 25 عاما، لافتا إلى أن "أرمينيا تنتهك قوانين الأمم المتحدة، من خلال عدم تقديم خرائط المناطق المزروعة بالألغام، مما يُعقد عملية نزعها".
وأوضح أنه خلال الحرب فُقد أكثر من 4000 من مواطني أذربيجان، في حين تم العثور على جثث مئات الأشخاص في مقابر جماعية، تم التعرف على معظمها، ويعمل مختبر الطب الشرعي في باكو على مدار الساعة في هذا الصدد.


وقال إمانوف، إن حكومة أذربيجان طالبت من أرمينيا ، بمعرفة مصير المفقودين وكذلك بإعادة جثث مواطنيها ، مضيفا أن "القوات الأرمينية لم تدمر بوحشية المناطق السكنية فحسب، بل دمرت أيضا المباني التاريخية والمواقع التراثية والأثرية، كما دنست المساجد وشهد العالم كله، كيف تم تقييد الحيوانات في هذه المساجد، بما في ذلك الحيوانات المثيرة للاشمئزاز، لإيذاء مشاعر المسلمين في أذربيجان".
وقال لا يزال ثلاثون ألف أرميني يعيشون في باكو في سلام، لافتا إلى أن حكومة أذربيجان بحثت في مسألة المفقودين مع أرمينيا في الأيام الأخيرة في بروكسل، وتأمل أن تقدم أرمينيا معلومات بشأنهم قريباً، وإلا فقد يتدهور وضع السلام في المنطقة مرة أخرى.


يبقى أن كل المسؤولين الذين التقتهم "الحياة واشنطن" في أذربيجان، يؤكدون أنه "لابد من طي صفحة الماضي والتطلع للأمام من أجل مستقبل آمن وزاهر للأبناء والأحفاد ، لكن لن ننسى ما حدث"، فهم "يريدون السلام وليسوا معنيين بالحرب لكن لن ينسوا مآسيها".