بالتزامن مع اقتراب الذكرى الخمسين لحرب السادس من أكتوبر من العام 1973، بدأت روايتها تبوح بأسرارها، إذ أقر وزير الخارجية الأميركي الأسبق، هنري كيسنجر، بأنه والرئيس في ذلك الوقت، ريتشارد نيكسون، وطاقم إدارته، عملوا بشكل قوي وحثيث إبان الحرب، على توفير الدعم المباشر والخدمات الحاسمة لإسرائيل، حتى لا يتحقق نصر عربي عليها.

وأوضح كسينجر أن الجهد الأمريكي في هذا الصدد لم يؤثر فقط على سير المعارك على الأرض، بل كان له وزن كبير في المحادثات اللاحقة التي انتهت إلى توقيع اتفاق سلام بين مصر وإسرائيل.

وقال كيسنجر، في مقابلة مع صحيفة "معاريف" الإسرائيلية: "عقدنا العزم (في الإدارة الأمريكية) منذ اليوم الأول على منع نصر عربي في الحرب، ورأينا في نصر كهذا ضربة للولايات المتحدة نفسها، لأنه كان من الممكن تفسيره على أنه انتصار للاتحاد السوفيتي علينا، لذلك كنا مقتنعين منذ اللحظة الأولى بضرورة عودة القوات المصرية والسورية إلى الخطوط التي كانت معتمدة قبل اندلاع المعارك".

وكيسنجر، البالغ من العمر 100 عام، والمُلقب بـ "الثعلب" شغل منصب مستشار الأمن القومي إبان حرب اكتوبر، قبل أن يتولى حقيبة الخارجية، وهو أقر بأن "صورة المعركة كانت مختلفة تماما عن تلك التي رسمها الخبراء الأميركيون في مخيلتهم عندما نُشر خبر الهجوم المصري".

وقال: "دارت كل المناقشات حول الحرب على افتراض أن التفوق العسكري كان لصالح إسرائيل، ولم نأخذ على محمل الجد أبداً إمكانية اضطرارنا للتعامل مع وضع يتمتع فيه السوفيت بميزة أو تفوق ما، ولكن تبين أن المصريين نجحوا في ضرب خط بارليف والدفع بأكثر من 100 ألف جندي ونحو 400 دبابة ووحدات كوماندوس إلى سيناء، وبناء عدة جسور فوق القناة، وفي الأيام الأولى من الحرب فقدت إسرائيل يومياً ما يقرب من 200 مقاتل، وأُسر الكثير من جنود الخط الأول الإسرائيلي على أيدي الجيش المصري"، مضيفا: "لم يكن لدى سلاح الجو الإسرائيلي رد حقيقي على أنظمة الصواريخ «6 - SA» سوفيتية الصنع، وانضم الطيارون الذين أصيبوا، وتمكنوا من الهروب بواسطة مقاعد النجاة إلى رفاقهم في الأسر، كما تعرضت طوابير المدرعات الإسرائيلية التي كانت تتقدم في سيناء وسط حالة من الفوضى، إلى هجوم جوي مصري شديد، وفي الأيام الثلاثة الأولى من الحرب، خسر سلاح الجو الإسرائيلي 49 طائرة مقاتلة، وتضررت 500 دبابة في سيناء، وكان هناك نقص في ذخيرة المدفعية في مستودعات الطوارئ، وتم اكتشاف معدات قتالية صدئة جزئياً وغير صالحة للاستعمال".

وأشار كيسنجر إلى لقائه في ثالث أيام الحرب في مكتبه في البيت الأبيض مع السفير الإسرائيلي لدى واشنطن حينها، سيمحا دنيتس، والملحق العسكري الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، إذ نقلا طلبا عاجلا من رئيسة الحكومة الإسرائيلية حينها، غولدا مائير، بتجديد إمدادات الأسلحة الأميركية والمساعدات العسكرية لصالح إسرائيل.

وقال كسينجر: "عندما بدأت الصورة تتضح لنا، بدأت المناقشات حول إعادة تزويد إسرائيل بالأسلحة (...) عارضت وزارة الدفاع "البنتاغون" بشدة تجديد توريد المعدات الأميركية؛ لذلك اقترحنا على إسرائيل أن ترسل طائرات ونقوم بتحميلها بالمعدات، وكانت في الأساس معدات عالية التقنية يمكن استخدامها في الحال"، مضيفا: "في هذه المرحلة أبلغت إسرائيل بقرار الإدارة الأميركية الذي شمل تعهداً بتنظيم جسر مساعدات جوي مدني على الفور، تم البدء بهذه الجهود دون تأخير من خلال منح الإذن لشركات الطيران المدنية، لإتاحة الطائرات لهذه الجهود".

وأشار كيسنجر إلى أنه عارض مناقشة طلب إسرائيلي بوقف إطلاق النار بينما كانت إسرائيل قد بدأت بالتحضير للهجوم على الجولان السوري، وقال: "كنت ضد وقف إطلاق النار بشدة، بينما تستمر المكاسب المصرية في ساحة المعركة، لقد أولينا أهمية كبيرة لخطر أن يُنظر إلى الأسلحة السوفياتية على الساحة الدولية على أنها ذات جودة أعلى بسبب النجاحات التي حققها الجيش المصري".

وتابع: "عندما بات واضحا لنا أن القافلة الجوية المدنية لم تكن قادرة على الإقلاع بالسرعة التي كنا نعتقدها في البداية، اقتربت من نيكسون وأخبرته بأننا بحاجة إلى مستوى آخر من الإمداد الجوي للتأثير على ساحة المعركة (..) أخبرته بأننا بحاجة إلى قطار جوي عسكري، وقد أمر نيكسون على الفور بتنفيذ الجسر الجوي إلى إسرائيل وبكامل القوة".

وقال كسينجر: "استغرق الأمر 3 أيام حتى يتمكن الجيش الأميركي من جمع المعدات اللازمة، ولم يكن لدينا حليف محظوظ إلى هذا الحد مثل إسرائيل. أنا لا أقبل بأي حال من الأحوال ادعاءات التأخير، لأنه كان لدينا انطباع بأن الإسرائيليين قادرون على حسم الحرب بسهولة".

وتحدث كيسنجر عن النشاط السياسي الذي سبق الحرب، وقال: "في شهر فبراير من العام 1973، أي قبل نحو 8 أشهر على نشوب الحرب، أرسل الرئيس المصري الراحل، أنور السادات، مستشاره لشؤون الأمن القومي، حافظ إسماعيل، إلى واشنطن لبحث إمكانية التحرك نحو عملية سلام، لكن المبادرة كانت مبنية على وجهة النظر العربية التي تنص على انسحاب إسرائيلي إلى الحدود التي سبقت حرب 1967 في جميع القطاعات، مقابل الاعتراف العربي بإسرائيل".

وأضاف: "اعتقد أنه لم يكن من الممكن منع الحرب إلا إذا كانت إسرائيل مستعدة للانسحاب إلى حدود 1967، وكان ذلك مستحيلا، ومن شأنه أن يعرض طريق تل أبيب - حيفا للهجمات، وأيضا جميع الأطراف في إسرائيل عارضت ذلك، ولم تكن لتسمح بمثل هذا الاتفاق".

وتابع: "الخيار الوحيد المتبقي هو فرض الاتفاق على إسرائيل، وأنا عارضت ذلك بشدة، فمن المحتمل أنه حتى لو تراجعت إسرائيل (عن رفضها للاتفاق)، فإن ذلك لم يكن ليمنع الحرب، لأن السادات كان قد توصل بالفعل إلى استنتاج مفاده أن العالم العربي يحتاج إلى جرعة من النصر العسكري لتجنب الشعور بأن الفشل ضد إسرائيل أمر لا مفر منه".

كيسنجر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو

 

كيسنجر مع رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير

كيسنجر مع رئيس مصر الراحل أنور السادات

كيسنجر مع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسـد