قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، إن تجويع إسرائيل للسكان المدنيين في قطاع غزة سيترك آثارا طويلة المدى لا يمكن تداركها، في ظل تأكيد تقارير وخبراء دوليين على أن أعداد ضحايا التجويع والأمراض المقترنة به قد يفوق عدد أولئك الذين استشهدوا خلال العدوان الإسرائيلي المتواصل على القطاع منذ 7 أكتوبر الماضي.
جاء ذلك في ورقة سياسات أصدرها الأورومتوسطي بعنوان "قطاع غزة: مسرحًا لإبادة جماعية منذ السابع من أكتوبر ومنطقة مجاعة محتملة في السابع من فبراير"، قدم من خلالها المرصد تحليلًا حول الوضع الغذائي الكارثي في قطاع غزة ومؤشرات بداية انتشار المجاعة، خاصة في المحافظات الشمالية.
واستندت الورقة بشكل أساسي إلى تقارير أصدرتها في هذا الشأن جهات دولية مختصة، وعلى رأسها المبادرة العالمية الخاصة بـ "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي".
وأشارت الورقة إلى أنه في أحسن الأحوال، يتراوح معدل ما يُسمح بدخوله إلى القطاع من مساعدات إنسانية ما بين 70 إلى 100 شاحنة يوميا، اثنتان منها فقط إلى المحافظات الشمالية، في حين كان عدد شاحنات البضائع والمساعدات التي تدخل القطاع قبل السابع من أكتوبر الماضي يوميًا، 500 شاحنة على الأقل.
وقالت ليما بسطامي، مديرة الدائرة القانونية في المرصد الأورومتوسطي: "هذه الإحصائيات بينة بذاتها، ولا تحتاج للكثير من التوضيح بأن ما يدخل القطاع لا يلبي الحد الأدنى لاحتياجات السكان في ظل الحرمان الشديد والمتواصل والمتراكم من الأساسيات من الغذاء والمياه الصالحة للشرب والدواء، بفعل الحصار، واتساع احتياجاتهم نظرًا لما يواجهونه من ظروف غير إنسانية وإبادة جماعية وقطع للكهرباء والماء وإمدادات الوقود".
وأضافت بسطامي أن الوضع يزداد تعقيدًا كون سكان القطاع محاصرين داخله من كل الجهات، ما يحول دون قدرتهم على الإنتاج المحلي اللازم للبقاء على الحياة، أو الحصول على الطعام من مصادر أخرى.
وأشارت الورقة إلى ما خلصت إليه التقارير الصادرة عن المبادرة العالمية الخاصة بـ "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي"، بأن قطاع غزة يشهد أعلى نسبة من السكان الذين يواجهون مستويات عالية من عدم الاستقرار الغذائي الحاد في العشرين سنة الماضية، على أقل تقدير، وأنه بحلول اليوم 7 فبراير الجاري، سيعاني نحو 53% من سكانه من حالة الطوارئ القصوى في سوء التغذية الحاد، في حين سيعاني 26% منهم، أي حوالي نصف مليون شخص، من المجاعة، وازدياد في حالات الوفاة الناتجة عن الجوع أو سوء التغذية أو الأمراض المرتبطة بهما.
وبعد الاعتراف بوجود أدلة ومؤشرات حول وقوع مجاعة في قطاع غزة بحسب تقرير المبادرة العالمية الخاصة بـ "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي"، تم تفعيل "لجنة استعراض المجاعة" في المرصد الأورومتوسطي لإجراء مراجعة شاملة للتقرير، وضمان الدقة الفنية والحيادية للتحليل قبل تأكيد النتائج المذكورة فيه والتواصل بشأنها.
وخلصت اللجنة إلى أن النتائج التي توصل إليها تقرير الفريق معقولة، وأن حد المجاعة (المرحلة الخامسة) لسوء الأمن الغذائي الحاد قد تم تجاوزها بالفعل، بل إن التقديرات الواردة في تقرير الفريق هي "مؤشرات تحفظية"، ومن المرجح أن يكون حجم انتشار المجاعة بين مجمل السكان في القطاع أعلى من النسب المذكورة.
وأفادت بطسامي بأنه بشكل عام، تبقى عملية إعلان حالة المجاعة أمرا نادر الحدوث، حيث لم يتم إعلانها في التاريخ الحديث سوي مرتين؛ مرة في الصومال عام 2011، والأخرى في جنوب السودان عام 2017، في حين تبقى اليمن رغم كارثية وضعها الغذائي والازدياد المتسارع في عدد ضحايا المجاعة، خارج إطار الإعلان الرسمي للمجاعة، حتى الآن.
وأشارت إلى أن إعلان حالة المجاعة بشكل رسمي، أو عدمه، لا يغير من حقيقة انتشارها في قطاع غزة بالفعل، خاصة في المحافظات الشمالية، وأنها أصبحت كارثة ويموت بسببها السكان الآن.
ورغم أن إعلان المجاعة لا يُفعل بحد ذاته أية التزامات قانونية على الدولة المتسببة أو الدول أو مجموع المجتمع الدولي، إلا أن إعلان المجاعة في حالة قطاع غزة له تبعات جوهرية لسببين؛ أولهما، إضافة عبء أخلاقي آخر، ووصمة إضافية لإسرائيل وحلفائها، وكذلك إضافة ضغط سياسي جديد على المجتمع الدولي حول ضرورة التحرك العاجل من أجل الاستجابة السريعة ومنع تدهور الوضع الكارثي في قطاع غزة، ورفع الحصار، وإدخال المساعدات الإنسانية على نحو عاجل وسريع، وربما زيادة الضغط على إسرائيل من أجل وقف هجومها على القطاع.
أما السبب الثاني هو أن إعلان المجاعة في قطاع غزة يعني بالضرورة أن إسرائيل ارتكبت جريمة "تجويع المدنيين" في القطاع كأسلوب من أساليب حربها؛ وهي الجريمة التي لا تحتاج لتحققها الوصول إلى إعلان المجاعة، فالتجويع دون إعلان المجاعة بحد ذاته كاف، إلا أن إعلان حالة المجاعة يعطي حجية وقرينة ظاهرة على ارتكاب إسرائيل جريمة التجويع، كجريمة حرب قائمة بحد ذاتها، أو كشكل من أشكال جريمة الإبادة الجماعية التي ترتكبها ضد الفلسطينيين في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر الماضي، الأمر الذي يمكن أن تكون له آثار مهمة في دفع عملية مساءلة إسرائيل ومحاسبتها على الجرائم التي ارتكبت ضد المدنيين.
وقالت "بسطامي" إن إعلان المجاعة في غزة "قد يجد له طريقًا أمام محكمة العدل الدولية التي تنظر الآن في الدعوى التي رفعتها جنوب افريقيا ضد إسرائيل لانتهاك التزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها؛ سواء عند تقييم المحكمة لالتزام إسرائيل بالتدابير التحفظية التي فرضتها عليها، نظرًا لقيام الشبهة بانتهاك التزاماتها بموجب الاتفاقية، أو لطلب تعديل على تلك التدابير التحفظية بموجب المادة (73) من لائحة المحكمة، أو كبينة إضافية توزنها المحكمة خلال نظرها في موضوع الدعوى وإصدار حكمها النهائي فيها."
وأوصت الورقة الحكومة الفلسطينية بالتصدي المبكر للمجاعة والاستجابة الفعالة لها، من خلال تكريس كافة الإمكانيات المتاحة لتفعيل خطط وموازنات طوارئ قابلة للتنفيذ، ورصد وجمع البيانات والمعلومات الدقيقة والمحدَّثة حول توفر الغذاء ووصوله واستخدامه، فضلاً عن حالة التغذية ومعدلات الوفيات، ومشاركتها والتواصل بشأنها مع الجهات الدولية المختصة، والتنسيق والتعاون معها في هذا الإطار، بما في ذلك منظمة الأغذية والزراعة (فاو)، وبرنامج الأغذية العالمي، واليونيسيف، لضمان أن تكون جهود الاستجابة تكاملية، وإجراء تقييمات مشتركة بشكل منتظم.
كما دعت المجتمع الدولي إلى الامتناع عن أي فعل من شأنه أن يشكل جرم الاشتراك في ارتكاب جريمة التجويع أو التآمر على ارتكابها، أو اتخاذ أي من الإجراءات التي من شأنها تعميق هذه الجريمة وآثارها، بما يشمل كسر الحصار عن قطاع غزة، وإيصال المساعدات إليها بشكل مباشر، برا من ناحية مصر، وبحرًا وجوًّا، واستئناف تمويل وكالة "الأونروا" فورًا، باعتبارها الوكالة الدولية الرئيسة المسؤولة حاليًّا عن عملية إدخال المساعدات الإنسانية وتوزيعها في القطاع.