في خطوة مرتقبة، ولكنها لم تخلو من التوتر، أعلن مكتب المستشارة القانونية للحكومة الإسرائيلية غالي بهراف-ميارا عن خطة جديدة للجيش تهدف إلى تشديد إجراءات التجنيد بحق المتخلفين عن الخدمة العسكرية، الأمر الذي أشعل فتيل الغضب في أوساط ممثلي الأحزاب الحريدية، مهدداً بتصعيد غير مسبوق في الصراع الأيديولوجي حول قضية التجنيد.
وتأتي هذه التطورات في أعقاب رسالة رسمية وجهتها المستشارة القانونية، إلى المشاركين في اجتماع رفيع المستوى عُقد الأحد الماضي، ضم كبار المسؤولين في الجيش الإسرائيلي، بمن فيهم رئيس مديرية القوى البشرية. وتفصح الرسالة عن تفاصيل خطة جديدة من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في 25 يوليو الجاري.
تنص التعليمات الجديدة على منح من يتلقون أمراً أولياً للتجنيد مهلة شهرين ونصف فقط للالتحاق بمركز التجنيد. وبعد انقضاء هذه المهلة، سيصدر بحقهم ما يعرف بـ "تزاف 12"، وهو إجراء قانوني خطير يمنعهم من مغادرة البلاد ويجعلهم عرضة للاعتقال الفوري عند أي مواجهة مع الشرطة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالخطة تتضمن أيضاً تعزيز الرقابة عند المعابر الحدودية ونقاط التفتيش الداخلية، بالإضافة إلى تكثيف التنسيق بين الجيش والشرطة الإسرائيلية لضمان تنفيذ هذه الإجراءات.
وتكشف الرسالة عن توجه جديد نحو "عمليات تطبيق استباقية مستندة إلى معلومات استخباراتية بشكل منتظم"، مع منح المتخلفين "فرصة واحدة ومحدودة" في سبتمبر للامتثال دون التعرض للاعتقال.
لطالما كانت قضية تجنيد الحريديم نقطة خلاف جوهرية في المشهد الإسرائيلي. واعترف مسؤولون عسكريون صراحةً أن أوامر التجنيد الموجهة إلى هذه الفئة لم تُنفذ بشكل فعال على أرض الواقع. ففي مايو الماضي، أقر مسؤول عسكري: "لا نطبق أوامر التجنيد بحق المتدينين بالشكل الكافي. لا يوجد تقريباً أي تطبيق فعلي"، مبرراً ذلك بصعوبة اقتحام وحدات الشرطة العسكرية للمدن ذات الغالبية الحريدية مثل بني براك وموديعين عيليت وبيطار عيليت.
وعلى الرغم من إطلاق الجيش حملة للشرطة العسكرية في مايو لاحتجاز من تجاهلوا أوامر التجنيد، إلا أنها أسفرت عن اعتقال فرد واحد فقط من المجتمع الحريدي، مما يسلط الضوء على عمق التحدي.
ومنذ الصيف الماضي، تسلم 24 ألف رجل حريدي أوامر تجنيد أولية، لكن القليل منهم استجابوا. ومن المتوقع إرسال 54 ألف أمر تجنيد إضافي بحلول نهاية يوليو الجاري.
ويشير الواقع إلى أن هناك نحو 80 ألف رجل حريدي، تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً، مؤهلون للخدمة العسكرية ولم يلتحقوا بها. هذا في الوقت الذي يعاني فيه الجيش الإسرائيلي من نقص حاد في القوى البشرية، حيث يحتاج إلى نحو 12 ألف جندي، منهم 7 آلاف جندي مقاتل. وقد أقر الجيش بعدم قدرته على تحقيق أهداف تجنيد الحريديم للعامين 2024-2025، مما يزيد الضغط على الحكومة لإيجاد حلول جذرية.
أشارت الرسالة الصادرة عن مكتب المستشارة القانونية إلى أن "أدوات التنفيذ المتوفرة للجيش بموجب القانون القائم غير كافية لضمان تطبيق فعّال"، داعيةً إلى "أهمية توسيع سلة أدوات التنفيذ، بما في ذلك حجب الامتيازات عن المتخلفين".
وحثت الرسالة وزير الدفاع يوآف غالانت على تعزيز هذه العقوبات "من خلال أدوات إدارية، دون الحاجة إلى تشريع".
لم تمر هذه الخطوة دون ردود فعل عنيفة من ممثلي الأحزاب الحريدية. فقد هاجم رئيس لجنة المالية في الكنيست، موشيه غافني، عن حزب "يهدوت هتوراة"، المستشارة بهراف-ميارا بشدة، مدعياً أنها "أعلنت نفسها العدو الرئيسي لعالم التوراة وطلابها ولحملة رسالة الشعب اليهودي". وأكد غافني أنهم "لن يسمحوا بأن يمنع أي طالب يشيفا من دراسة التوراة"، محذراً من أن "نهاية" من حاولوا منع دراسة التوراة "معروفة".
من جانبه.. انتقد رئيس حزب شاس، أرييه درعي، أيضاً المستشارة القانونية، واصفاً التعليمات القمعية بأنها "عار وفقدان للعقلانية".
وصرح درعي بأن "استخدام وسائل متطرفة ضد طلاب يشيفا الذين يحمون العالم بتوراتهم يجب أن يثير صدمة في نفوس كل يهودي يحب ويوقّر التوراة"، مؤكداً: "لا يمكن لأحد منع طالب يشيفا من دراسة التلمود بجد".
وفي خضم هذا الجدل، رد زعيم المعارضة، يائير لابيد، على تصريحات درعي بدعوته لإبلاغ طلاب اليشيفا بأنه "في ظل حرب وجودية، لا خيار أمامكم، يجب أن تلتحقوا بالخدمة". ليرد درعي بأن دراسة طلاب اليشيفا "تحدث المعجزات" و"تسهم بشكل حاسم في أمن إسرائيل"، موجهاً اتهامات لناخبي لابيد في تل أبيب بعدم الانخراط بالجيش بأعداد كافية.