مقال: اللواء مروان مصطفى

 

لقد وضعت إسرائيل خطة اغتيال قيادات حماس في قطر منذ أكثر من شهر تقريبا.

وبدأت التنفيذ الفعلي لها في اليوم السابق للاعتداء عندما أبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني بضرورة ممارسة ضغوطاً أقوي علي القيادات الحمساوية لإجبارهم علي قبول مبادرته، وتسليم كل الأسرى والمخطوفين وجثامين الموتى لإسرائيل حتي يقوم بإيقاف الحرب، وحتي لا يتم قتلهم و طردهم من قطر.

بالفعل قام رئيس الوزراء القطري سريعاً باستدعاء القيادات الموجودين في الدوحة وفي تركيا، وعقد معهم لقاءاً مطولاً في مساء يوم الاثنين، حيث وافقوا في النهاية علي المبادرة بشرط وجود ضمانات شخصية مؤكدة من الرئيس ترامب بإلزام إسرائيل بإيقاف الحرب والخروج من غزة، واتفقوا علي الاجتماع في صباح اليوم التالي (الثلاثاء) لإعداد الرد الرسمي علي الرئيس الأمريكي (وهو بالطبع ما أغضبه ولم يرض غروره) .

وفي الثالثة بعد ظهر اليوم التالي قامت الطائرات الإسرائيلية بضرب غرفة الاجتماعات التي يجتمعون فيها في أحد المجمعات السكنية في أحد أحياء الدوحة الممتلئة بالعديد من السفارات والمدارس الأجنبية.

وتقيم بعض عائلات تلك قيادات بفيلات بداخل هذا المجمع، وبالرغم من دقة الصواريخ التي أطلقتها الطائرات الإسرائيلية على الجناح الجانبي من المبني الذي يتم في الاجتماع، فقد فشلت العملية ولم تنجح في اغتيال اي من القيادات الحمساوية المجتمعين في المبنى.

وبالمثل تماماً فشلت كل أجهزة الرادار الحديثة والمتقدمة الأمريكية والألمانية في رصد دخول تلك الطائرات أو التصدي لإطلاق تلك الصواريخ.

ولهذا فقد اعتبرها البعض من المحللين والخبراء العسكريين مجرد إعادة للتمثيلية التي حدثت مع قطر خلال حرب إيران وإسرائيل، وأضافوا أن ما حدث سيناريو متفق عليه لاستعراض إسرائيل لعضلاتها لتخويف الدول العربية، ولترهيب قيادات حماس التي تجرأت وأصبحت تتفاوض مباشرة مع أمريكا وتخشي من توصلها لاتفاق معها لتسليم الرهائن بما يوقف الحرب.

وقالوا أيضاً إن ذلك يتوافق مع الرغبة القطرية في إخراجهم من الدوحة، مع الأخذ في الاعتبار الحرج الشديد إذا ما طردوهم منها .

لكن جريدة "وول ستريت جورنال الأمريكية" نشرت تحقيقاً أكدت فيه أن الاستخبارات المصرية قد لعبت دوراً هاماً في إفشال هذا المخطط، بعدما تمكنت من اختراق أجهزة الأمن الإسرائيلية وحصلت على المعلومات الخاصة في هذا الشأن، حيث قام مدير المخابرات المصرية بتحذير نظيره التركي خلال لقائهما الأخير بوجود مخطط إسرائيلي لتصفية قيادات حماس الموجودين في تركيا والمقيمين قطر، وتم إبلاغ القطريين والقيادات الحمساوية بذلك وتم تحذيرهم باتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر، وأبلغوهم بضرورة مغادرة المجمع السكني وإخلائه وترك تليفوناتهم المحمولة به، وهو ما أدي لفشل العملية ونجاة كل القيادات المطلوب اغتيالهم .

وهناك شكوك حول تسفيرهم للخارج قبل الاجتماع، ومما يؤيد تلك التكهنات صور الأقمار الصناعية التي نشرها أحد المواقع الرادارية الشهيرة للطائرات حول العالم عن قيام طائره كبيرة أميرية قطرية خاصة من طراز "بوينج جلوبال ماستر" برقم LHOB 241 c17 بالإقلاع من الدوحة الساعة ٧,٣٤ صباحاً قبل الهجمة الإسرائيلية إلى إحدى الدول العربية بالشمال الأفريقي (اتحفظ عن ذكرها) دون التعرف علي شخصيات ركابها، وعادت تلك الطائرة للدوحة في مساء اليوم نفسه (والعهدة على الموقع الشهير) .

لقد أخطرت إسرائيل البنتاجون بتفاصيل الضربة وتوقيتها، وقام بدوره بإبلاغ الرئيس ترامب، واعطي البنتاجون تعليماته للقاعدة الأمريكية في قطر بعدم اعتراض الطائرات المهاجمة أو التصدي لصواريخها، وقامت القاعدة بإطلاق عدد من طائرات التزود بالوقود (بمشاركة طائرتين من سلاح الجو البريطاني)، حيث قاموا بمهام إمداد الطائرات الاسرائيلية بالوقود قبل عودتهم لإسرائيل .

وإمعانا في إحراج الدول العربية، ولإظهار الجبروت الإسرائيلي أذاعت القناة ١٤ الإسرائيلية المعروفة بقربها الشديد من نتنياهو خط سير الطائرات المهاجمة التي انتهكت أجواء (الأردن ، وسورية ، والعراق ، والسعودية)، وهو ما تم نفيه من بعضهم.

لقد خانوا قطر، وطعنوها في ظهرها، على الرغم من كونها الدولة التي تعتبرها أمريكا حليفها الاستراتيجي الوحيد من خارج حلف الناتو، وغدروا بها بعدما نفذت رغبة أمريكا في إيواء قيادات حماس على أراضيها لضمان السيطرة عليهم، وبعدما قدمت لترامب ١,٢ تريليون دولار وأهدته طائرة فخمة لم يكن يحلم بها، بالإضافة إلى دفع ١٠ مليار دولار لتوسعة قاعدة عديد التي شاركت في الهجوم عليها بدلاً من الدفاع عنها، وهي التي نفذت رغبة نتنياهو بدفع ٣٠ مليون دولار شهرياً لقيادات حماس في غزة، وحتي قناة الجزيرة القطرية قدمت كنزاً ثميناً لإسرائيل عبارة عن فيديو تم تصويره لـ"أبو عبيدة" المتحدث باسم حماس وهو مكشوف الوجه مما أدى إلى قيام الموساد بالتعرف عليه وتحديد شخصيته واغتياله مؤخراً.

وللأسف الشديد، كل ذلك لم يشفع لها ولم يحفظوا جمائلها، ولم يحترموا قادتها، وقاموا بانتهاك سيادتها، وأهانوا شعبها ولم يعتذروا له، واكتفى ترامب بمكالمة تليفونية مع توصيته لوزير خارجيته بإعداد اتفاقية للدفاع المشترك مع قطر(ليست بالمجان) لضمان عدم تكرار الأمر، ثم اصطحب بعض وزرائه للعشاء في أحد المطاعم احتفالاً بما حدث .

لقد آن الآوان بعد تلك المهانة أن تتعلم دولنا العربية من هذا الدرس القاسي، وتستخلص منه العبرة والموعظة ، وأن ترفض الخضوع والابتزاز، وترفض الارتماء تحت أقدامهم، لقد اثبتت الأيام أن ترامب ما هو إلا قزم صغير أمام نتنياهو الذي أصبح هو الحاكم الفعلي وصاحب القرار الأول في البيت الأبيض، ولعل جميعنا قد تيقن الآن بأن (المتغطي بأمريكا دائماً عريان) وأنه لا شرف لهم، ولا أمان معهم، ولا عهد بهم، وأن اتفاقاتهم الإبراهيمية هي مجرد ضحك على ذقون العرب، لابتزاز أموالهم ومواردهم ، وللهيمنة والسيطرة على بلادهم، ولتأكيد سيادتهم وتحقيق أحلام دولتهم التوسعية .

لقد انتهي الدرس يا عرب.. أفيقوا وتكاتفوا وتوحدوا قبل أن تذهب ريحكم وتضيع بلادكم.. وأرحموا شعوبكم يرحمكم الله.

لواء/ مروان مصطفى المدير الأسبق للمكتب العربي للإعلام الأمني بمجلس وزراء الداخلية العرب