كشف تحقيق استقصائي أجرته شبكة "بي بي سي" البريطانية، عن أدلة جديدة تشير إلى تورط جنديين من مشاة البحرية الأميركية (المارينز) لم تتم محاكمتهما قط، في مقتل عائلة عراقية بأكملها في مدينة حديثة بمحافظة الأنبار، ضمن ما عرف لاحقاً بـ "مذبحة حديثة" عام 2005.

وتثير هذه الأدلة، التي تشمل إفادات وشهادات جديدة وتفاصيل فيديو غير معروض، شكوكا عميقة حول نزاهة التحقيق الأميركي الذي تلا الحادثة، وتعيد طرح التساؤلات الجوهرية حول محاسبة القوات المسلحة الأميركية في جرائم الحرب.

تعود وقائع الجريمة إلى 19 نوفمبر 2005، عندما اقتحم جنود المارينز ثلاثة منازل في "حديثة"، مما أدى إلى مقتل 24 مدنيا عراقيا، بينهم أربع نساء وستة أطفال، في واحدة من أسوأ الفظائع التي وقعت بعد غزو العراق عام 2003. وكانت إحدى الضحايا هي عائلة الناجية الوحيدة صفاء (التي كانت تبلغ 13 عاما آنذاك)، حيث قتلت الأم والأب وأبناؤهما الخمسة وعمة الأطفال.

وقد أثارت المذبحة أطول تحقيق أميركي في جرائم الحرب خلال حرب العراق، لكن لم يدن أي جندي في عمليات القتل الفعلية. وبرر الجنود إطلاق النار بأنه كان "رد فعل" على انفجار عبوة ناسفة أودت بحياة أحد أفراد فرقتهم.

ونجحت "بي بي سي" في الحصول على تسجيل فيديو غير مبثوث من جلسة استماع ما قبل المحاكمة، يخص الجندي هامبرتو ميندوزا، الذي لم توجه إليه أي تهم.

 وفي التسجيل، اعترف ميندوزا بقتل والد صفاء لحظة فتحه الباب الأمامي للمنزل، وأكد أنه لم يكن مسلحا. وعند سؤاله: "لكنكم قتلتموه على أي حال؟"، أجاب: "نعم سيدي".

 كما كشف ميندوزا في تسجيل صوتي اكتشف حديثا أنه دخل غرفة نوم العائلة لمسافة 2.4 متر، وهو ما يتطابق مع استنتاجات خبير الطب الشرعي مايكل مالوني، الذي أكد أن مطلق النار الأول كان يقف في ذلك الموقع تحديداً.

كما تطال الأدلة الجندي الآخر، ستيفن تاتوم، الذي أسقطت عنه التهم عام 2008. وقد حصلت "بي بي سي" على ثلاث إفادات لاحقة لتاتوم لدائرة التحقيقات الجنائية البحرية (NCIS) قال فيها:"رأيت أن الأطفال كانوا في الغرفة جاثين على ركبهم... أنا مدرب على إطلاق رصاصتين على الصدر واثنتين على الرأس، وقد اتبعت تدريبي. على الرغم من علمي أنه طفل، فإنني قتلته".

وأشار خبير الطب الشرعي مايكل مالوني إلى أن إفادات ميندوزا وتاتوم تدل بوضوح على أنهما الجنديان اللذان نفذا إطلاق النار في غرفة نوم عائلة صفاء.

في نهاية المطاف، وجهت تهم القتل في البداية لأربعة جنود، لكن المدعين أسقطوا التهم عن ثلاثة منهم، مانحين إياهم حصانة من الملاحقة. وبقي قائد الفرقة الرقيب فرانك ووتريتش، الوحيد الذي واجه المحاكمة عام 2012، لكنه توصل إلى صفقة إقرار بالذنب بتهمة "الإهمال والتقصير" في أداء الواجب، وهي تهمة لا تتعلق بالتورط المباشر في عمليات القتل.

ووصف المحامي العسكري لووتريتش، العقوبة بأنها تعادل صفعة على المعصم... مثل مخالفة السرعة، مؤكداً أن العملية القانونية بأكملها كانت "معيبة للغاية".

من جانبها، لا تزال الناجية صفاء، البالغة من العمر 33 عاما، تعيش في "حديثة"، وتطالب بالعدالة قائلة: "كان يجب سجنه (ميندوزا) منذ لحظة وقوع الحادث... مرّ ما يقرب من 20 عاما دون محاكمة. هذه هي الجريمة الحقيقية".

وفي رده على التقرير، أكدت قوات مشاة البحرية الأميركية التزامها بالإجراءات العادلة، مشيرة إلى أنها لن تعيد فتح التحقيق إلا بوجود أدلة جديدة غير مدروسة ومقبولة.