* جيهان فاروق الحسيني
لا أملك إلا أن أتعاطف مع ضحايا المحرقة النازية " الهولوكوست" والتي هي من أبشع الجرائم التي ارتكبت ضد الإنسانية، بل هي نقطة سوداء في التاريخ المعاصر.
شهدت مدينة القدس في الأمس الأول تجمعاً هاماً ضم 41 من كبار العالم، جاؤوا من أجل المشاركة في إحياء الذكرى الـ75 لتحرير معتقلي معسكر "أوشفيتر" أكبر معسكرات الاعتقال النازية.
لكن السؤال، لماذا لم يتم إحياء هذه الذكرى في إحدى الدول الأوروبية التي قامت أو شاركت أو تواطأت في قتل اليهود ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية؟.
لا أجدُ سبباً لإحياء ذكرى المحرقة هذه الجريمة المروعة في القدس، فالتاريخُ لم يشهد يوماً اضطهاد فلسطيني أو عربي أو مسلم لليهود..!
لاشك، أن رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتانياهو سعى إلى إحياء ذكرى أكبر جرائم التطهير العرقي في التاريخ بمدينة القدس المحتلة لتكريس الاحتلال "الإسرائيلي" وإلغاء الآخر الفلسطيني.
فأهل المدينة يُعانون من ويلات الاحتلال جراء انتهاكاته اليومية التي لا تتوقف، سواء بالاعتداء على المصلين أو اعتقال الشباب أو ملاحقة الأطفال أو هدم البيوت أو الاستيلاء على الأراضي بحجج أمنية أو بفرض الضرائب الباهظة على سكانها الفلسطينيين فقط كي يهجرها أهلها.. ناهيك، عن الحفريات تحت المسجد الأقصى كمحاولة للعثور على آثار للهيكل دون أدنى اعتبار لسلامة المسجد الأقصى الذي له قدسية ومكانة خاصة لدى المسلمين، وتهويد المدينة لإعطائها الطابع اليهودي ومحو طابعها العربي (تزييفاً للتاريخ) بالإضافة للعنصرية، فهناك طرق وشوارع خاصة في الضفة الغربية لـ "الإسرائيليين" فقط وغير مسموح للفلسطينيين عبورها، وجدار الفصل العنصري الذي تم بناؤه على أراضي الفلسطينيين، أما إذا ذكرنا غزة فحدث ولا حرج عن الحروب التي شنتها "إسرائيل" واستهدفت خلالها المدنيين والأبراج السكنية، ناهيك عن الحصار الذي حول غزة إلى سجن كبير، الأمر الذي يتعارض تماماً مع كافة القوانين والشرائع الدولية.
إن المكان الذي تجمع فيه كبار العالم للمشاركة في إحياء ضحايا النازية، تم بناؤه على أراضي سُلبت من أصحابها، وهي تابعة لقرية "عين كارم"، بالقرب من قرية "دير ياسين" التي أبيد كامل سكانها تقريباً، فلقد استخدمت "إسرائيل" ميليشيات وعصابات الهاجاناه ، شتيرن، أرغون ، بيتار ، بلماح ..وغيرهم، في ارتكاب المجازر من أجل ترهيب الفلسطينيين وتهجيرهم من ديارهم، مقهورين وفي حالة رعب.. وهذا ما حدث.
ما يُثير الدهشة والاستنكار أن كلمات هؤلاء القادة خلت تماماً من أي إشارة لحقوق الشعب الفلسطيني أو التضامن معه، رغم أن شاشات التلفزة في بلدانهم تنقل كل يوم الجرائم والانتهاكات الصارخة التي يرتكبها الاحتلال بحق الفلسطينيين، وقطعا تقارير سفرائهم تنقل لهم ذلك أيضاً.!؟
باستثناء الأمير تشارلز الذي أبدى تعاطفه مع الشعب الفلسطيني عندما زار مدينة بيت لحم، ومع كامل التقدير والاحترام لشخصه الكريم ولمكانته الرفيعة ولعلمه، فهو مطلع على الثقافة العربية والإسلامية، إلا أنني كنت آمل منه أن يرتقى تعاطفه إلى اعتذار عن الجريمة التي ارتكبتها بلاده "بريطانيا" بحق الشعب الفلسطيني والتي كانت السبب في نكبة فلسطين.
وأخيراً أعتقد أنني لا أبالغ إن قلت أن احتفالية "القدس" لا تفيد الذاكرة الجمعية بقدر ما تفيد "سلب" ما تبقى من القدس، وبقدر ما توظف صور كبار العالم في حملة انتخابية ليمين "إسرائيلي" متطرف يريد ابتلاع كل فلسطين.

* كاتبة من أسرة "دار الحياة"