شفيق جبر
تشجيع مباريات كرة القدم من الطقوس الشائعة في بريطانيا.
دعاني السيد تشارلز أوربيون مع مجموعة أخرى من الأصدقاء إلى منزله الجميل والرائع في حي الريجنت بارك لمشاهدة مباراة كرة قدم بين فريقي تشيلسي وريال مدريد على شاشته السينمائية الفائقة التقنية.
اقرأ ايضا: فلسطين 2022: من أين وإلى أين؟
كان يوما جميلاً ومشمساً، وصلنا جميعا في وقت متقارب، استقبلنا تشارلز بترحاب جديد وهو مرتديا قميصاً أزرق فاتحاً وسترة كحلية داكنة، واصطحبنا إلى غرفة السينما كان المصرفي البريطاني فرانك جيفورد يرتدي جينز وقميصاً أخضر، بينما عيزرا فريدمان مستثمر التقنيات الإسرائيلي يرتدي سترة من الجلد وعلى رأسه كاب، وكانت الصحفية اللبنانية المقيمة في باريس نانسي رحمان ترتدي ثوباً أصفر، أما المحللة السياسية صوفيا لوبيز فقد كانت ترتدي زيّاً من قطعتين بلون أزرق دافئ وهي تقيم بين مدريد ولندن، وأخيراً أنا..
بعد الشوط الأول كانت النتيجة ٢- صفر لصالح فريق تشيلسي وكانت صوفيا تجادل فرانك باستياء أن كرة القدم لم تعد كما كانت، كانت حجتها أنه أصبح هناك الكثير من الأخطاء والعنف، والقليل من الفن، فقد أصيب لاعبان من ريال مدريد في الشوط الأول من المباراة وتم استبدالهما، الأمر الذي أغضبها.
جاء الشوط الثاني بمفاجآت أكثر عندما قام لاعب ريال مدريد "بنزيما" بتسجيل هدفين رائعين في خلال ٣٥ دقيقة من بدأ المباراة. كانت صوفيا تصفق بسعادة عارمة وكذلك عيزرا، وعندما أطلق الحكم صفارته الأخيرة، جميعنا تقبل النتيجة.
بعد انتهاء المباراة اصطحبنا تشارلز إلى حديقة منزلة الأنيقة٬ جلسنا فيها واستمتعنا بالشاي والكعك والمُربّى والكريمة والفطائر التي قدمها لنا النادل.
وبما أن المباراة انتهت بالتعادل، لم يعد هناك جدوى للحديث عن كرة القدم. وهنا بادر تشارلز بسؤال فرانك عن تأثير حرب أوكرانيا على الأسواق المالية، تعكر وجه فرانك بادياً عليه الانزعاج ، وقال"سيئ للغاية". وأضاف: إن العالم لا يدرك حتى الآن ما الذي أطلقنا عنانه"، وتابع فرانك مبدياً قلقه الشديد: أن الاضطراب الاقتصادي٬ والتضخم٬ والافلاسات، وتقلص النمو، وتحديات سلسلة الإمدادات وهلع العقوبات، كل ذلك سيترتب عليه عواقب جسيمة(..) في ظل جائحة (كورونا) الكارثية التي لم تنتهِ بعد".
وعلقت صوفيا: "إن فرانك على صواب. أنظر إلى أسعار السلع والطاقة، وكذلك الطعام في أوروبا والشرق الأوسط". وقالت نانسي وهي تلتهم قطعة الكعك مع المُربّى:" حتى آسيا وأمريكا اللاتينية متضررتان من الوضع". هنا قاطعتها صوفيا: "أن الأمر لم ينتهِ بعد، الرئيس زيلينسكي يستمتع بقدر الإهتمام الفائق الذي يحظى به، فقد أصبح الآن بطلاً بينما يموت الأوكرانيون وتتحطم البنية التحتية والملايين من الشعب الأوكراني هُجِّرَ أو هاجر".
نظر عيزرا إلى صوفيا وسألها: "خطأ من هذا؟" ثم أضاف مؤكداً أن بوتين الآن فقد صوابه. وهنا سألت صوفيا باستنكار: "وماذا كنت تتوقع لبوتين أن يفعل؟ لقد ظل بوتين لأكثر من عقد يحذر حلف الأطلسي بعدم تحدي روسيا، وبدلاً من أن يتفهّم الغرب رسالته قام الجميع في أمريكا وبريطانيا والإتحاد الأوروبي باستفزاز الدب (الروسي). كاد عيزرا أن يجيب، لكن نانسي استرسلت قائلة: "بناءً على معلومات دقيقة فقد قام حلف الأطلسي بتزويد أوكرانيا بالأسلحة٬ ودعمهم وتدريبهم عسكرياً طوال العام الماضي، فماذا كنت تتوقع لبوتين أن يفعل!"
قاطع تشارلز الجدل قائلاً: "لكل قصة وجهان" وأضاف: " هناك أيضاً حرب إعلامية جارية لتصوير بوتين في صورة هتلر، وأن ما تقوم به روسيا تعتبر "حرب إبادة" !
"هذا هراء" أجابت صوفيا وتابعت: "بوتين يدافع عن روسيا من صواريخ أوكرانيا تماماً كما كان كينيدي يدافع عن أمريكا من صواريخ كوبا، أما بالنسبة لمفهوم حرب الإبادة، إذا كان قتل ثلاثة آلاف مدنياً بالنسبة للولايات المتحدة والأمم المتحدة هو حرب إبادة، فماذا نسمي ما حدث في العراق أو أفغانستان ؟
قطعت فترة صمت قصيرة ، وقلت: "ثمة شيء غريب جداً في حرب أوكرانيا هذه"، فنظر لي الجميع بينما كنت أضع كوبي بهدوء وتوقفت لحظة ثم قلت: " أين هنري؟". ابتسم تشارلز مدركاً ما أعنيه، بينما اختلط الأمر على فرانك والحاضرين، وكأنني خرجت عن دائرة النقاش.
وبعد برهة صمت سألني فرانك باندهاش :" ما الذي تتحدث عنه؟" اعتدلت في مقعدي وأجبت: "هل لاحظتم أنه لا توجد مفاوضات جارية، ولا وساطة، ولا هنري كيسنجر لتحديد أرضية مشتركة وفرض وقف إطلاق للنار؟- وكأن كافة الأطراف - عدا الخصم (روسيا) - تريد استمرار الخلاف".
قالت نانسي بهدوء: "يبدو أن الغرب يرغب في محاربة روسيا حتى آخر مواطن أوكراني"، بينما قال فرانك:"يبدو أن المنطق أصبح غائباً وتم استبداله بالصراخ الإعلامي ونداءات التصعيد".
نهض عيزرا وقال: " للأسف، لا وجود لأيّ هنري كيسنجر في عالم اليوم، نحن نفتقد القيادة الحكيمة والفعالة والرشيدة التي تهدف لمصلحة الإنسانية أولاً وأخيراً. وأضاف:" هناك صراعات في كل مكان، بدءا من بلادي وعبر العالم أجمع هناك صراعات يمكن أن تحل لكن صراحةً لا أحد مهتم في أن يبذل أية جهود لحلها."
وعندما عاد عيزرا إلى مقعده، بادرت بالحديث مرة أخرى: "كنت في العشرين من عمري٬ وكنت أشتري باقة من الورود للمرحومة والدتي من متجر يقع مقابل السفارة الأمريكية في مصر عندما وصل موكب كيسنجر ليبدأ أول خطواته في سياساته المدهشة ورحلاته المكوكية والتي كانت مثمرة جداَ"(..) أتذكر جيداَ كيف كان هنري حينذاك يغادر العاصمة واشنطن ليلاً، ليتناول الإفطار في لندن، والشاي في باريس، والغداء في القاهرة، والعشاء في تل أبيب، بينما يهييء الأرضية المناسبة لجمع الأطراف المتنازعة معاً من أجل وقف إطلاق النار، ومن ثم التوصل إلى حل أو تسوية تلائم مختلف الأطراف".
وأضفت:" كان في بعض الأوقات يسافر بين تل أبيب والقاهرة أربع مرات يومياً وهو يفاوض لدفع الأمور إلى الأمام (..) كان يطمئن، ويحذر، ويراوغ ويهدد وفي الوقت ذاته يطرح مجموعة من الحوافز المشجعة ".
أومأ الجميع بالإيجاب ولكن تشارلز قال: "من الغريب أنه لا وجود لأيّ كيسنجر آخر على المسرح العالمي، فقد نجح كيسنجر في الانفتاح على الصين، والتوصل لوقف إطلاق النار في الحرب بين مصر وإسرائيل، وكذلك في اجتياز مرحلة انتقالية صعبة من نيكسون إلـي فورد، بل وأكثر من هذا بكثير".
أضاف تشارلز و قد بدا حزينا : "قابلت كيسنجر عدة مرات، للأسف لا وجود لأي كيسنجر آخر اليوم ." ثم سألنا :"هل قابل أحد منكم كيسنجر؟ ". لم يعلق أحد من الحضور، لكنني أجبته : " نعم، لقد إلتقيت به مرة في حفل إستقبال في نيويورك منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، وحينئذ سألته عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وكيف يمكن إنهاؤه؟ فسار بهدوء وهو ينظر إلى الأرض وقال بصوته الخشن ملوحاً بيديه ومتجهاً إلى المخرج "أن السادات ليس موجوداً اليوم".
وأثناء مغادرتي منزل مضيفنا، رجعت بي الذاكرة لليلة الثالث عشر من سبتمبر ٢٠١٧ عند تكريمي من قبل مركز لندن للبحث السياسي في نيويورك وكان الدكتور كيسنجر في صحبتي، وهو شرف أفتخر به طالما حييت، ولكن يبدو أنه لا يوجد إجابة لهذا السؤال:" أين هنري اليوم؟"
*نبذة عن محمد شفيق جبر
هو شخصية رائدة في الإدارة العالمية والابتكار والاستثمار٬ كما أنه من كبار هواة جمع فن المستشرقين وهو عضو فعال في العمل التطوعي.
خلال عمره المهني نجح جبر في تأسيس أكثر من ٢٥ شركة بالإضافة إلى ثلاث شركات استثمارية قابضة بما فيها مجموعة "أرتوك" للاستثمار والتطوير والتي أسست عام ١٩٧١ وهي شركة قابضة متعددة التخصصات ولها أعمال في إدارة البنى التحتية٬ السيارات٬ الهندسة، المعمار٬ والعقارات٬ كما أن الشركة قامت خلال السنوات الثلاثة الأخيرة بالتركيز على الاستثمار في التقنية والذكاء الاصطناعي.
جبر هو رئيس مجلس إدارة وعضو تأسيسي في منتدى مصر الاقتصادي العالمي٬ وهو عضو في مجلس الإدارة العالمي لمنتدى الاقتصاد العالمي٬ وعضو مجلس إدارة شركة "ستانهوب كابيتال"٬ وعضو مجلس إدارة عالمي للجنة الميدالية الذهبية لمؤتمر السادات٬ كما أنه عضو في منتدى المخابرات البرلمانية الأمنية. كما أن جبر عضو في مجلس متحف "المتروبوليتان" ويخدم في المجلس الإستشاري لمجمع الاستقرار المالي٬ والمجلس الاستشاري لمعهد الشرق الأوسط٬ والمجلس الإستشاري العالمي لـ"مايو كلينك".
من خلال مؤسسة شفيق جبر للتنمية الاجتماعية٬ يشارك جبر في تحسين التعليم في المدارس الابتدائية في مصر عبر تعريف الطلاب بالفن والثقافة وتشجيع الرياضة البدنية واللياقة الصحية للشباب. لدى المؤسسة أول مركز طبي واجتماعي متطور في حي المقطم حيث يقدم الخدمات الطبية والصحية مجاناً. في عام ٢٠١٢ قام جبر في أمريكا بتأسيس مؤسسة شفيق جبر التي تدعم المبادرات العلمية والطبية٬ بالإضافة إلى تدشينه في عام ٢٠١٢ لمبادرة فن الحوار بين الشرق والغرب التي تشجع التبادل الثقافي بين مصر والولايات المتحدة٬ وتبني الجسور بينهما.
السيد جبر حاصل على بكالوريوس في الاقتصاد وإدارة الأعمال من الجامعة الأمريكية في القاهرة٬ وشهادة ماجستير في الاقتصاد من جامعة لندن.
** رجل أعمال مصري
* ترجمت بتصرف: مها الفاروقي
المصدر: "إيجيبت إندبندنت" الإنجليزية
Where is Henry...? - Egypt Independent
** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحيـــاة"