ليس سرا أن الدولة العظمى الوحيدة المتبقية في العالم، أي الولايات المتحدة، تعاني من الكثير من المشاكل حاليا، لا أقلها مشكلة وباء كورونا التي كانت أميركا هي الأكثر تضررا منها مقارنة ببقية العالم (ما يقرب من 110 آلاف وفاة وما يقرب من 2 مليون إصابة بالفيروس). إقتصادها الذي هو الأقوى في العالم خسر تريليونات الدولارات خلال أشهر والعاطلون فيها عن العمل يزيد عددهم عن الـ 40 مليونا، وهو رقم لم تشهده أميركا منذ الكساد الكبير في العام 1929! كما لا يخفى على أحد أن أميركا لديها مشكلة أخرى قديمة ومؤلمة، وهي قضية العنصرية التي يعبر عنها ملايين المحتجين في شوارع أميركا منذ ما يقرب من أسبوعين، والتي تخللتها مظاهر عنف هي غير مقبولة على الإطلاق، ولكنها رغم تهويل البعض لها لأسبابه ودوافعه الخاصة، في الداخل الأميركي والخارج، كانت محدودة وهي بدأت تتلاشى تدريجيا.

ولكن مشكلة أميركا الأكبر حاليا، وتحديدا في السنوات الثلاث ونصف الماضية هي غياب القيادة فيها، وهي المشكلة التي تفاقم من مشكلتي أميركا الأخرتين وتضخمهما. ورغم أن الجالس في البيت الأبيض، دونالد ترمب لم يعد يحكم أميركا كما حكمها الرؤساء الـ 44 من قبله، وهي حقيقة تكررت في الكثير من مقالات رأي لكتاب ومفكرين وسياسيين أميركيين بارزين في الأشهر القليلة الماضية، فهو يسعى بكل ما أوتي من قوة إلى تقويض أركان الديمقراطية الأميركية – فصل السلطات، استقلالية القضاء، الضوابط والتوازنات بين السلطات الثلاث القضائية والتشريعية والتنفيذية، حرية الإعلام والرأي والتجمع والتنظيم السياسي، وإخراج القوات المسلحة من اللعبة السياسية بالمطلق. هذه هي مشكلة أميركا الأكبر الآن. رجل جهول، عنصري، فاشي وديكتاتوري التطلعات، كذاب ومهرج، يريد أن يغير أميركا!

اقرأ ايضا: قرارات ترمب وأثرها على مستقبل مجلس الأمن والأمم المتحدة

ترمب يحاول العبث بكل من هذه الأركان المهمة للديمقراطية الأميركية منذ وصوله إلى الحكم مطلع سنة 2017. ولكن هناك ظواهر قوية جدا لا تخفى على المراقب أو حتى على العين العادية وهي أن المجتمع المدني الأميركي وأركان الديمقراطية الأميركية تعمل، رغم أنف ترمب، وهو ما يقض مضاجع هذا الرجل الذي يتمنى من كل قلبه أن يكون واحدا من الديكتاتوريين في العالم الثالث بل ويحسد هؤلاء على السلطات المطلقة التي يمتلكونها.

فقد بدأ الكثير من الشخصيات الأميركية، حتى من بين أعضاء الحزب الذي ينتمي إليه مع أنه لا يمثله أبدا، بانتقاد هذا المهرج الجالس في البيت الأبيض. ولعل أبلغ رد على واحدة من سخافات هذا الرجل مؤخرا بعد انطلاق أعمال الاحتجاج المشروعة ضد مقتل المواطن الأميركي الأسود جورج فلويد في ولاية مينيسوتا أواخر الشهر الماضي، حين هدد بنشر القوات الأميركية في الشوارع الأميركية لإخماد الاحتجاجات، هو رد وزير دفاعه السابق جيم ماتيس الذي استقال من إدارة ترمب بعد اختلافه معه على الطريقة التي يدير بها أنشطة القوات المسلحة الأميركية على المسرح العالمي. فقد كتب ماتيس، وهو الجنرال المتقاعد من سلاح مشاة البحرية (المارينز)، الذي يحظى باحترام واسع من أعضاء الحزبين الرئيسيين الأميركيين، الجمهوري والديمقراطي، ومن أفراد وقيادات القوات المسلحة الأميركية بفروعها كلها، في بيان نُشر لأول مرة في مجلة ذي أتلانتيك يوم الأربعاء الماضي يقول: "لقد شاهدت أحداث هذا الأسبوع التي تتكشف أمامي، غاضبًا ومروعًا". وقال، في بيان جاء بوضوح وصراحة وصرامة لم نعهدها من مسؤول عسكري سابق ضد رئيسه السابق في تاريخ أميركا: "دونالد ترمب هو أول رئيس في حياتي لا يحاول توحيد الشعب الأميركي – وهو حتى لا يتظاهر بالمحاولة. وبدلاً من ذلك هو يحاول ويعمل على تقسيمنا."

ثم يوم الجمعة، نشرت صحيفة الواشنطن بوست المهمة في العاصمة واشنطن مقال رأي وقعه 89 مسؤولا عسكريا أميركيا سابقا بمن فيهم وزراء الدفاع السابقون ليون بانيتا وتشاك هاغيل وأشتون كارتر ووليام كوهين – وهم جمهوريون وديقراطيون -- وصفوا فيها تهديد ترامب بإدخال الجيش الأميركي إلى المدن الأميركية للرد على الاضطرابات بأنه "صادم".

وقالوا: "بصفتنا قادة عسكريين نتشارك التزامًا عميقا بالدستور، وبالحرية والعدالة لجميع الأميركيين، والتزاما بالرجال والنساء غير العاديين الذين يتطوعون لخدمة أمتنا وحمايتها في قواتنا المسلحة، ندعو الرئيس إلى إنهاء خططه على الفور لنشر قواتنا المسلحة في شوارع أميركا كعناصر أمنية، أو توظيفهم أو أي قوات عسكرية أو شرطة أخرى تابعة للقوات المسلحة بطرق تقوض الحقوق الدستورية للأميركيين. إن أفراد جيشنا مستعدون دائمًا للخدمة في الدفاع عن بلادنا. ولكن يجب ألا يتم استخدامهم مطلقًا لانتهاك حقوق أولئك الذين أقسموا اليمين حين انضموا للقوات المسلحة لحمايتهم."

وبعدها جاءت رئيسة بلدية العاصمة واشنطن العاصمة، موريل باوزر، وهي امرأة أفريقية أميركية شابة، لترفع صوتها عاليا ضد ترمب بصرامة وحدة ربما لم يعهدها ترمب من الذين من حوله. وطالبت باوزر ترمب بإزالة جميع أجهزة إنفاذ القانون الفدرالية الإضافية والوجود العسكري من المدينة، قائلة إن هذه الوحدات العسكرية "تلهب" مشاعر المحتجين و"تضيف إلى تظلمات" الأشخاص الذين يحتجون على وفاة جورج فلويد. وكتبت باوزر في رسالتها إلى ترمب: "كان المتظاهرون سلميين، وفي الليلة الماضية لم تقم إدارة شرطة العاصمة باعتقال واحد منهم. لذلك، أطلب منك سحب كل وحدات إنفاذ القانون الاستثنائية والوجود العسكري من واشنطن العاصمة." وعلى الفور قام وزير دفاع ترمب مارك إسبر، الذي كان قد اختلف علنا مع ترمب بشأن فكرة نشر القوات العسكرية الأميركية في شوارع أميركا للمساعدة في إخماد الاحتجاجات قبل ذلك بيومين، بأمر كل هذه القوات بالعودة إلى قواعدها خارج العاصمة.

 

هذه هي الديمقراطية. وأحد الأعمدة المهمة للديمقراطية هي السيطرة المدنية على القوات المسلحة والنأي بها عن السياسة، أي أن هذه القوات تأتمر بأمر رئيس البلاد حسب الدستور، ولكن فقط ضمن نصوص الدستور والقوانين التي انبثقت عنه، أي لحماية حدود البلاد وحريات المواطنين وممتلكاتهم وخيرهم، لا لقمعهم ومصادرة حرياتهم المكفولة بالقانون والدستور. وهكذا تبدى دور القوات الأميركية حتى في عهد "رئيس" لديه نزعات ديكتاتورية غير مسبوقة في التاريخ الأميركي. مؤسسات المجتمع المدني والكونغرس والإعلام الأميركي الحر، بل حتى ووزيرا دفاع ترمب الحالي والسابق، اختلفوا كلهم معهم وأوقفوه عند حده ليسحب تهديده في مشهد سريالي مقرف، ليس هو الأول ولن يكون الأخير. كان مشهده وكأنه طفل صغير شعر بالخزبلة والخجل أمام معلمته بالصف حين سألته موبخة أمام زملائه "أين واجبك المدرسي؟" الذي كان قد نسيه في البيت. اضطر ترمب، وكعادته إلى أن يكذب ثانية على العالم كله، ويقول لإنقاذ ماء وجهه "ربما لسنا بحاجة إلى نشر قواتنا العسكرية في المدن." والحقيقية ليست كذلك أبدا. الحقيقة هي أنه، كأي ديكتاتور صغير، قميء، جهول، أرعن، متغطرس في العالم الثالث يتمنى أن ينشر هذه القوات وأن يقمع الجماهير المسالمة التي تدافع عن روح أميركا وديمقراطيتها وتحولها إلى مجتمع متعدد الأعراق يتمتع فيها جميع مواطنيها بالعدالة والفرص بالتساوي.

ما دامت مؤسسات الديمقراطية الأميركية تعمل، وما زال مجتمعها المدني نابضا بالحياة، وما زالت رئيسة بلدية سوداء صغيرة السن ووزير دفاع السابق والحالي قادرين على القول لا لـ "الامبراطور" الذي يمثل دور الرئيس في البيت الأبيض، فإن الديمقراطية الأميركية ستظل بخير، وستصبح أفضل وأقوى وأكثر تجذرا. وكذلك، فحقيقة أن ملايين البيض يخرجون جنبا إلى جنب مع إخوتهم السود ويحملون لافتات "حياة السود مهمة" في شوارع أميركا، من كاليفورنيا إلى منيسوتا، ومن نيويورك إلى واشنطن العاصمة، وما بين هذه الولايات والمدن، كما نشاهد في الاحتجاجات الأميركية الحالية، هي دليل قوي على أن ديمقراطية أميركا قوية، راسخة ومؤسساتها تنبض بالحياة، رغم أنف ترمب.

 

*  دبلوماسي أمريكي سابق

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دار الحياة