* رائد عمرو
المتابع للفيديوهات والتقارير المتزايدة على وسائل التواصل الاجتماعي المُوثِقة للاحتفالات والاجتماعات واللقاءات المشتركة بين مواطنين من البحرين والإمارات والمغرب مع مواطنين ومسؤولين اسرائيليين تثير الكثير من الاسئلة والتحليلات بالنظر الى كثافتها وتكررها شبه الأسبوعي في ظل حالة صمت رهيب من الجهات الحكومية في تلك الدول التي اختارت طواعية التطبيع مع اسرائيل دون النظر الى مطالبات الفلسطينيين وباقي الشعوب العربية بعدم الإقدام على تلك الخطوة.
لكن الذي يدعو الى الاستغراب هو الرغبة الجامحة لدى فئات عدة من مواطني تلك الدول الثلاث للمباهاة المُبالغ فيها في التواصل مع رجال دين ومواطنين ومسؤولين اسرائيليين، سواء بالفعاليات المشتركة او التعليقات والكتابات على وسائل التواصل الاجتماعي.
اقرأ ايضا: فتاوى الحاخامات إذ تشرعن "الارهاب المقدس"
قد نجد اعذاراً لحكومات الدول الثلاث بالتطبيع مع اسرائيل وهي أن مسؤولي تلك الحكومات ما هم الا موظفين ودُمى في يد صناع القرار في العالم، ولا خيار أمامهم إلا بالانصياع للأوامر العليا لضمان بقائهم في مناصبهم وحفاظهم على امتيازاتهم كي لا ينالهم ما نال السابقين من بعض القادة والمسؤولين العرب الذين جرفتهم سيول الربيع العربي الاخيرة.
لكن ما الدافع الحقيقي لدى رجال أعمال وممثلين ومواطنين خليجيين وعرب بأن يبالغوا في احتفالاتهم بالأعياد اليهودية مثلاً، اضافة الى نشرهم احقاداً وكراهية مُفرطة بحق الشعب الفلسطيني متهمين إياه بالإرهاب والقتل وغيرها من التهم التي لا يستخدمها إلا اليمين المتطرف في إسرائيل.
بحرينيون يرقصون في كنيس يهودي فُتح مؤخراً في المنامة في رأس السنة اليهودية، وكأنهم في احتفالات انتصار في حرب عالمية مثلاً، وإماراتيون يشعلون الشمعدان ببالغ السعادة وبمظاهر فرحٍ بهيجة، وطلاب إماراتيون يرون أنهم دخلوا الجنة عند التحاقهم بالجامعات داخل اسرائيل، ومغاربة يحملون وزير الجيش الاسرائيلي على الاكتاف في الرباط، وغيرها الكثير الكثير من المظاهر اليومية المتزايدة التي تعري وتفضح تلك الطبقات المهزوزة أصلا.
منذ سنوات وقع الأردن ومن قبله مصر اتفاقيات سلام مع اسرائيل، لكننا حتى اليوم لم نرى اي فعالية مشتركة بين اي من الشعبين مع مسؤولين او مواطنين اسرائيليين، بل ظلت المؤسسات الشعبية في البلدين تنادي بإنهاء اتفاقيات السلام وربطها بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
ردود فعلٍ لا بد من الاشارة اليها في البحرين والمغرب تجلت بالمسيرات الشعبية التي رفضت ذلك الاندفاع في التطبيع من قبل أطراف شعبية، لكنها تبقى دون جدوى في ظل غياب تعليمات وقوانين ضابطة لتلك العلاقة من قبل الجهات الرسمية في تلك الدول التي انجرت مؤخرا للتطبيع.
ووسط كل تلك المشاهد من قبل اولئك المطبعين الرسميين وغير الرسميين، لا بد من الحديث عن رد الفعل الفلسطيني الرسمي الذي كان خجولاً جداً وباهتاً الى درجة تجعل المتابع يرى أن هناك مصلحة ما عند القيادة الفلسطينية بذلك الانفتاح في العلاقات بين اسرائيل والدول العربية، إذا ما استحضرنا تصريحات مستشار الديوان الملكي السعودي السابق، الدكتور انور عشقي، الذي قال إن مسؤولين فلسطينيين ألحوا على قيادات خليجية من أجل الجلوس مع الاسرائيليين والاستماع لوجهة نظرهم.
وإذا لم يكن هناك مصلحة عند القيادة الفلسطينية بحالة الانفتاح تلك بين الحكومة الاسرائيلية والشعوب والحكومات العربية، فما المانع من وجود مواقف فلسطينية قوية ورافضة لتلك الفعاليات التطبيعية المشتركة، وما المانع من خروج متحدث بإسم الرئاسة الفلسطينية ليستنكر زيارة المسؤولين الأمنيين في إسرائيل إلى المغرب والإمارات والبحرين، وغيرها من الفعاليات التي يمكن للسلطة فعلها والتي ستعري حكومات تلك الدول التي لم توفِ أصلا بالتزاماتها تجاه الشعب الفلسطيني التي أقرتها جامعة الدول العربية منذ بداية الانتفاضة الثانية.
كل ما ورد ذكره يؤكد على أن هناك تقصير متعمد من قبل الجهات الرسمية الفلسطينية ك وزارة الثقافة والإعلام والاذاعة والتلفزيون، وغيرها من المؤسسات التي يمكنها مخاطبة الشعوب والمؤسسات العربية وفضح تلك الفعاليات التطبيعية العبثية التي لا تحترم عذابات شعب ضحى على مدار عشرات السنوات وقدم آلاف الشهداء والاسرى والجرحى في سبيل نيل حق مشروع بإقامة دولته المستقلة وفقاً للشرائع والمواثيق الدولية.
لكن في النهاية إذا ما كان هناك من يستحق أن نحزن عليه فهو اولئك المطبعين الذي راحوا الى ذلك المسار جهلاً وغروا، لأنهم في لحظة الحقيقة سيجدون أنفسهم عراة مفضوحين أمام انفسهم ومحيطهم عندما تتغير المعطيات في بلدانهم ويصبح بإمكان الجميع قول الحقيقية وطرح رأيهم دون خوف أو ذعر من حاكم او جلاد مفروض عليهم.
* صحفي فلسطيني
** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحيــاة"