سنة ثابتة أصبحت عمليات الاستقبال الحار والكبير للأسرى الفلسطينيين عند خروجهم من السجون الإسرائيلية بعد انتهاء محكومياتهم او خروجهم لأسباب صحية بعد اضرابهم عن الطعام وغيرها من الحالات التي تشهد تحرر الكثير منهم، وذلك الاستقبال هو امر هام ومطلوب من اجل تكريم وتقدير جهود أولئك الاسرى ولو بشكل رمزي لما ضحوا به خلال سنوات اسرهم كلٌ حسب حكمه.

لكن الأمر الخطير الذي أصبح سنة ثابتة في المجتمع الفلسطيني هو حالة النسيان المُتعمد وغير المتعمد، سواء من قبل صانعي القرار أو من كافة شرائح المجتمع الفلسطيني بعد خروج هؤلاء الاسرى بأسابيع فقط، حيث أن الجميع ينصرفون الى أعمالهم ويصبح هؤلاء الاسرى معزولين نفسياً عن واقعهم المغاير تماماً لما عاشوه داخل سجونهم من تنظيم وانتماء والتزام وانضباط وقراءة لمرحلة مستقبلية فيها افاق دولة مرتقبة وغيرها من الأفكار التي تنتاب كل منهم خلال جلساتهم اليومية بغض النظر عن تحزباتهم وآرائهم الخاصة.

اقرأ ايضا: العودةُ إلى غزةَ كما فلسطين حقٌ مقدسٌ فمرحباً بالعائدين

عزل هؤلاء الأسرى عن واقعهم بعد خروجهم هو ليس عفوياً وإنما هو أمر مقصود وربما هو التزام من دائرة السلطة قدمته للسلطات الإسرائيلية عبر الداعمين الدوليين كأحد أشكال العقاب لهؤلاء الاسرى، وهو ما نراه على ارض الواقع من خلال جعل قضيتهم متعلقة برواتب ووظائف وغيرها، دون النظر الى خطورة الغياب القسري لهؤلاء البشر عن أهلهم واحبائهم بل فقدانهم ل حريتهم لسنوات طويلة دون جريمة اقترفوها الا لمقاومتهم المشروعة لاحتلال ظالم جرمت الشرعية الدولية احتلاله وتعسفه بحق هؤلاء البشر.

بعيدا عن الجهد الذي تحاول هيئة الاسرى والمحررين الفلسطينية القيام به من اجل الاسرى، وهو واجب عليهم، الذي يُقدر بشكل كبير، لكنه غير كافٍ ابداً جراء عملها وحيدة بدون مرجعية شاملة يتم استثمار هؤلاء الاسرى المحررين سواء الذين انهوا أحكامهم او الذين تحرروا بعد إضرابهم رجالاً ونساء.

واذا ما حق لنا التساؤل،  مئات الاسرى انتزعوا حريتهم بعد إضرابهم عن الطعام جراء رفضهم لسياسة الاعتقال الإداري التي تبنتها إسرائيل منذ 1970 حتى اليوم، الى جانب العديد من المطالب المشروعة لهم، وخلال السنوات الأخيرة شهدنا إضرابات 2012 – 2014 – 2017- 2019، وهناك العديد من الاسرى الذين انتصروا في معركة الأمعاء الخاوية، شاهدنا مؤخرا منهم، كايد الفسفوس، مقداد القواسمي، علاء الاعرج، عياد هريمي، لؤي الأشقر، الغضنفر أبو عطوان، واخرهم هشام او هواش، وبكل تأكيد حمل هؤلاء الاسرى رسالة من وراء إضرابهم وهي فضح سياسة الاعتقال الإداري وتجريمها والضغط على إسرائيل من أجل الغائها، لكنهم غير قادرين على فضح اسرائيل لوحدهم انما بحاجة لجهد متكامل تقوم به الدوائر المختصة داخل السلطة التي تتبنى قضيتهم، ويفترض بها عمل الكثير الكثير في ذلك الجانب.

لم نشاهد أي أسير محرر من معركة الأمعاء الخاوية في مؤتمر دولي، ولم نرى أي استثمار حقيقي لحالتهم، يتم تقديمها للعالم الحر والناشطين الدوليين ليواصلوا ضغطهم على إسرائيل وداعميها من أجل إيقاف ذلك القمع والتنكيل بالاسرى، وهذا بكل تأكيد تتحمل مسؤوليته وزارة الخارجية الفلسطينية التي يفترض أن لديها خطط وبرامج فاعلة تتضمن مشاركة هؤلاء الاسرى في مؤتمرات دورية وارفاق آرائهم وتجاربهم في نشرات دورية بكافة اللغات العالمية، ليكونوا شهود حقيقين على معاناة الاف غيرهم داخل السجون.

كما اننا لم نشاهد أي انخراط حقيقي لأولئك الشباب المحررين داخل المجتمع الفلسطيني ليكونوا مؤثرين وفاعلين بتجربتهم وليكونوا سفراء صادقين للحالة الاسيرة امام كافة أطياف المجتمع الفلسطيني الى جانب مئات المؤسسات الاهلية المنتشرة فيه ووسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية.

لا يمكن أن تبقى التقليدية والكسل والتقاعس هو الطابع السائد في الحالة الفلسطينية التي هي بحاجة لاستغلال كل جهد من اجل الدفاع عن حقوق أولئك الاسرى وفضح سياسات القمع والتنكيل الوحشية بحقهم من قبل السلطات الإسرائيلية.

إذا ما بقي الوضع على حاله في التعامل مع اولئك الاسرى، فبلا شك سيتواصل مسلسل الاستقبال والنسيان الى ما لا نهاية، وسيكون الخاسر الوحيد والاكبر هو الأسير الفلسطيني واهله ومحبيه مع كل آسف.

 

* صحفي فلسطيني

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحيــاة"